الوئام- خاص
أقيمت الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية الأحد، وانسحب أكثر من 200 مرشح من اليسار أو من معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون، لصالح منافسيهم من التيار الآخر، لقطع الطريق أمام حزب التجمع الوطني، ومنعه من الحصول على الأغلبية المطلقة.
ويعيش الفرنسيون حالة من الترقب المشوب بالقلق في انتظار نتائج الدور الثاني من الانتخابات التشريعية التي يحتمل أن تحمل أقصى اليمين إلى رئاسة الحكومة.
اليمين يحسم الجولة الأولى
وتصدر تيار أقصى اليمين، ممثلا بحزب التجمع الوطني، النتائج في الجولة الأولى بنسبة 33%، بينما حل غريمه تحالف الجبهة الشعبية من أحزاب اليسار في المرتبة الثانية، مع تراجع حزب الرئيس إيمانويل ماكرون والقوى الداعمة له، إلى المركز الثالث.
وعن الجولة الثانية من الانتخابات والتحالفات وموقف اليمين المتطرف، يقول الدكتور طارق زياد وهبي، الباحث في العلاقات الدولية بباريس، إن حزب التجمع الوطني “حزب أقصى اليمين” حقق في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية بفرنسا أعلى نسبة، في المقابل، بدأت تحركات اليسار وحزب الرئيس ماكرون، بتشكيل ما يسمى تحالف وتكتل “القوس الجمهوري”، وهو أن ينسحب المرشح الثالث في الدائرة لصالح المرشح الأول أو الثاني الذي سينافس مرشح حزب اليمين المتطرف، وذلك لإسقاطه، بشرط أن تذهب كل أصوات المرشح الثالث إلى المرشح الجمهوري، موضحا أن هذا الإجراء سيقلل من عدد النواب لحزب التجمع الوطني، ولن يستطيع أن يشكل أغلبية مطلقة، لكنه سيكون أول الأحزاب من ناحية عدد النواب.
5 إجراءات قاسية ضد المهاجرين
ويضيف زياد وهبي، في حديث خاص لـ”الوئام”، أنه في حال فاز اليمين المتطرف، سيتخذ 5 إجراءات قاسية بحق المهاجرين؛ أولا ترحيل كل المهاجرين الذين لا يملكون أوراق الإقامة، ثانيا كل شخص مهاجر لديه بطاقة إقامة ولا يعمل ويستفيد من صندوق البطالة، ستوجه له تحذيرات، وإن لم يجد عملا سيُرحل أيضا، وثالثا وقف كل طلبات “لم الشمل عائلي”، ورابعا إيقاف كل طلبات الجنسية للذين يشك في عدم أهليتهم للحصول على الجنسية، وخامسا كل عائلة من المهاجرين لن يسمح لها بالحصول على المساعدات الاجتماعية إلا بعد 3 سنوات من وجودها في فرنسا.
وعن سياسة اليمين المتطرف الخارجية، يوضح الباحث في العلاقات الدولية بباريس أنه لن يخرج كليا عن خط السياسة العامة للدولة الفرنسية، لكن سيكون من الصعب خفض عدد سمات وشروط الدخول إلى فرنسا.
ويشير طارق زياد إلى أن صعود اليمين المتطرف يؤجج التوترات؛ لأن مشروعهم هو القوقعة والحماية الاقتصادية للدولة، وهذا يذكرنا بما حصل في ألمانيا وإيطاليا بعد صعود كل من النازية والفاشية.
ويثير صعود أقصى اليمين مخاوف داخل فرنسا وخارجها، لا بسبب اتهامات بالعنصرية فحسب، بل أيضا بسبب البرنامج الاقتصادي لهذا التيار الذي يوصف بأنه شعبوي وغير واقعي، وبسبب علاقاته مع روسيا ومواقفه من الاتحاد الأوروبي.
اليمين المتطرف والشعبوية
وعن تغير المشهد السياسي والاجتماعي، ينوه كارزان حميد، الكاتب والباحث السياسي الفرنسي، بأنه منذ سنوات وكثير من الأوروبيين شعروا بأن القادة السياسيين الحاليين لم يستطيعوا أن يلبوا حاجاتهم الشخصية والحياتية، وكانوا بيروقراطيين أكثر مما كان ينبغي، خاصة في عصر التطور التكنولوجي وابتعاد السياسيين عن مخاطبة جيل الشباب الذين نشأوا في بيئة منصات التواصل الاجتماعي، وعدم التعمق في كثير من الأمور السياسية، وإنما تلقوا بعض الهوامش التي كانوا بحاجة إليها.
ويقول كارزان حميد، في حديث خاص لـ”الوئام”: “ارتدى اليمين الأوروبي الآن لباس الشعبوية ودغدغة مشاعر البسطاء الأوروبيين، الذين ليست لديهم معلومات كافية عما يجري في بلدانهم أو بلدان العالم، ويعتقدون أن ما يجري في العالم لا يخصهم، وإنما هي مشكلة تلك البلدان، دون أن يعلموا أنهم مشاركون فيها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ناهيك بدور الإعلام الغربي بشيطنة الآخرين والدول على حساب مصالحها، والآن أصبح البحث عن المعلومة الصحيحة صعبا للغاية، بعدما اختلط الحابل بالنابل، وأصبح المواطن الأوروبي واقعا تحت تأثير تلك العولمة التي صنعوها بغرض تسويق منتجاتهم لبلدان أخرى، وأصبحوا هم ضحايا تلك السياسات التي أرادوا أن يسيطروا على العالم بها.
تحالفات جديدة
ويتابع الباحث السياسي الفرنسي: “بعد التغييرات الاستراتيجية في التحالفات السياسية عقب الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية، من المتوقع أن يتراجع عدد مقاعد اليمين المتطرف المتمثل بالجبهة الشعبية في الجولة الثانية، وعدم حصوله على الأكثرية المتوقعة في الجمعية الوطنية، لكنه سيحصل على المركز الأول على مستوى البرلمان الفرنسي”.
ويتوقع كارزان حميد أن يخلق اليمين المتطرف توترات كبيرة مع دول المغرب العربي، وربما تصل إلى القطيعة الدبلوماسية، خاصة مع الجزائر والمغرب، وهذا يشكل ضربة جزئية للاقتصاد الفرنسي، وأيضا ملف ترحيل اللاجئين، المعلق لسنوات طويلة بين تلك البلدان وفرنسا.
أباطرة المال والإعلام
ويستطرد حميد: “منذ تبني اليمين المتطرف نظرية le grand remplacement أو ما يسمى بنظرية ‘الاستبدال العظيم’ لمؤلفه رينو كامو، كثير من مؤسسات المالية وأباطرة الإعلام، تحاول أن تجهز اليمين المتطرف في فرنسا وبلدان أوروبية كثيرة لتسلم السلطة، لكي يتم إعادة تشكيل أوروبا أو القارة العجوزة، وإعادة الحياة إليها مجددا، عبر العودة إلى التراث القديم، وبرمجة أوروبا بما يتوافق مع توازن القوة العالمية الحالية، من حيث كثافة السكان، وتعدد الموارد الطبيعية، وتشكيل جيوش مترامية الأطراف، لكن هل يمكنهم ذلك؟ لأن فرنسا وأوروبا الآن في أزمة يمكننا أن نسميها أزمة وجود”.
ويُحذر من أن دولا كثيرة تحاول الدخول في حرب مباشرة مع روسيا، لكن الأكثرية متخوفة مما بعد الحرب، وليس الحرب نفسها، ويتوقع أن نرى الجولة الثانية من حرب روسيا – أوروبا في 2030.
واختتمت باريس حملة انتخابية سادها توتر شديد، الجمعة، قبل يومين من انتخابات تشريعية تاريخية، تخرج منها البلاد، إما تحت سيطرة اليمين المتطرف، وإما غارقة في حالة من البلبلة السياسية غير المسبوقة.
وانتهت الحملة الانتخابية رسميا في منتصف “ليل الجمعة”، وسط حالة انقسام في بلد يعتبر واحدا من ركائز الاتحاد الأوروبي، بعد 7 سنوات من رئاسة ماكرون.
وتحدث رئيس الوزراء المنتهية ولايته، جابرييل أتال، عن احتمال حصول عرقلة سياسية، مؤكدا أن بإمكان حكومته ضمان استمرارية الدولة “للوقت اللازم”، إذا لم تنبثق غالبية واضحة عن صناديق الاقتراع.






