ناهد رطروط
أجيال تعقب أجيالأ، ولكل جيل مفاهيمه ومعتقداته وقوانينه وطريقة حياته، ولا يخفى على أحد صراع اﻷجيال والفجوات بينها، لكن لم تتسع الهوة بين أجيال يوما كما تتسع في أيامنا هذه، فقد تشعر لوهلة أنها حياة أخرى، في عالم آخر، لا أجد له اسماً، هل هو عالم من الخيال أم عالم من الجنون! ففي هذا العالم لكل شيء حسابات أخرى و أفكار أخرى ومصطلحات أخرى، نعم حتى كلماتهم اختلفت و مدلولاتها تغيرت، فأي حديث تخوضه معهم يجب أن تهيئ نفسك للتعرض في أي لحظة لهجوم كاسح من الشعور بالجهل، أو الإحساس أن عقلك مغطى بغلالة رقيقة تحجب الفهم وتعيق وصوله، و قد يغوي بنات أفكارك سؤال مهم أو أكثر، هل كنت نائما أم مغيبا؟ متى سطع نجم تلك المصطلحات؟ ومتى اجتمعت تلك الحروف لتعلن عن هذا الارتباط الوثيق لينشئ كلمات تغزو لغتنا، وتشوه جمالها وتخل ميزانها.
حقيقة تؤلمني تلك الحال التي وصلنا لها وأشفق على اﻵباء و اﻷبناء الذين يقعون تباعا في تلك الفجوة مما يزيد المسافة ويصعب التفاهم بينهم، فما بين عين العيب لدى اﻷباء و عين العادي لدى اﻷبناء، تنهار العلاقات وتكسر روابط الثقة بين الجيلين، فدوما ما نسمع عن رفض الآباء لتصرفات أبنائهم فهي من وجهة نظرهم مرفوضه حيث أنها تتحدى العادات و تنهر التقاليد مما يوقعهم في فخ العيب، فمعرفة اسم الأم أو اﻷخت أو الزوجة عيب، و الدخول في نقاش مع كبير السن عيب، و التعبير عن الرأي عيب، صوت المرأة عيب، و اختيار الشاب لزوجته عيب.
بينما ينصدم الأبناء و يستغربون تصرفات أبائهم و يرفضون منطقهم، فمن وجهة نظرهم، آراؤهم قديمة مغطاة بالغبار الذي يصيب عقولهم بالسعال، ويلفظها زمانهم ولاتستسيغ طعمها أيامهم، مهما تحاول أن تلوكها، فتصرفاتهم خاضعة بكل هدوء لمنطق أيامهم و متصالحة بكل سلام مع زمانهم فهي تسرح وتمرح في إطار العادي، فملاحقة كل ما هو رائج حتى لو خطأ عادي، الانجراف وراء مشاهير الإفلاس الفكري عادي، قطع الأرحام واتباع الأصدقاء بدعوى الاستقلال عادي، عدم توقير الكبير عادي.
والقائمة تطول وما بين العينين ضللنا النجدين، مع أن الله سبحانه وتعالى اختصر لنا كل تلك المناوشات وسد لنا كل الفجوات و يسر لنا سبل السلام النفسي و الاجتماعي فقد قال سبحانه وتعالى “وهديناه النجدين” أي بينا طريق الخطأ و طريق الصواب، وكل ما على الإنسان أن يختار طريقه ما بين االحلال والحرام، لكننا فضلنا الضياع بين العيب و العادي عندما فضلنا العادات على الدين فلا نستطيع أن ننكر أن الكثير من عاداتنا خاطئة وما أنزل الله بها من سلطان، كما نتناسى الدين في أحيان كثيرة تحت مسمى الحرية الشخصية و وجهة النظر وضرورة الاقتناع، فطلعت علينا مفتيات لا يعرفن من الدين سوى أن الله سبحانه لم يكلف المرأة بخدمة زوجها ورعاية بيتها، ورجال لا يعرفون من الدين سوى أن الله شرع للرجل أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، يفتون في الدين و يحرمون و يحللون من رؤوسهم وهنا نقول لهم من أين جئتم بدينكم هذا؟
والخلاصة أن السلامة في تحكيم الدين واستفتاء القلب السليم، فالعينان تعانيان ضعف البصيرة وتفتقدان للحكمة في الكثير من اﻷحيان، فليس كل عيب عيب، وليس كل عادي عادي، فعاداتنا فيها الكثير من الأخطاء والتجني والتجبر أحيانا، والحرية المفرطة التي يرغب بها الجيل الجديد متهورة وتعاني من شح الحكمة وفقر المسؤولية، لذا كل ماعلينا هو فتح العينين كي لا نضل النجدين.

