الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
كان من المناسب أن تُطرح في عام 1974 في صحيفة أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن سؤال بصيغة: “جيمي من يترشح لماذا؟”، ولم لا؟ ففي عام 1975، أعلن جيمي كارتر، الحاكم الهادئ لولاية جورجيا، ترشحه لمنصب رئيس الولايات المتحدة. بالنسبة لرجل من بلدة صغيرة وهادئة مثل جيمي بولاية جورجيا، كان هذا أمراً يصعب تخيله. لكن قصة كارتر كانت درساً في الإصرار والإرادة، وكيف يمكن للمُستخف بهم تجاوز توقعات الآخرين المتواضعة.
وُلد كارتر في الأول من أكتوبر عام 1924 لعائلة زراعية مزدهرة. عكست نشأته تناقضات الجنوب الأمريكي؛ حيث كان والده، جيمس إيرل كارتر الأب، متمسكاً بأعراف الفصل العنصري السائدة آنذاك، بينما كانت والدته، ليليان، نموذجاً للشجاعة والتعاطف.
اتخذت والدته موقفاً مغايراً حيث كانت تستقبل جيرانها من السود في منزلها، مما زرع في ابنها إرثاً من المواقف الجريئة في وجه التحيز. وعندما سُئلت لماذا قد يعارض البعض ترشح ابنها للرئاسة، أجابت بذكاء: “بعض الناس حمقى فحسب”.
بدأت رحلة كارتر في الأكاديمية البحرية الأمريكية عام 1943، وتخرج ضمن المراتب العليا من دفعته. انضمامه إلى سلاح الغواصات النخبة، ولاحقاً إلى برنامج الغواصات النووية الناشئ، كان دليلاً على انضباطه وقدراته التقنية العالية. لكن حياته أخذت منعطفاً جذرياً عام 1953، عندما قرر ترك مسيرته العسكرية الواعدة عقب وفاة والده المفاجئة.
عاد إلى جيمي مع زوجته روزالين لإدارة مزرعة العائلة للفول السوداني. كانت تلك السنوات فاصلة في تشكيل شخصية كارتر، حيث رفض الانضمام إلى “مجلس المواطنين البيض” المؤيد للعنصرية، مفضلاً التمسك بمبادئه على الانصياع للضغوط المجتمعية.
رغم كونه جنوبياً بالنشأة، كان كارتر عازماً على صنع طريقه الخاص. وهذا العزم امتد إلى السياسة.
بعد خدمته في المجلس التشريعي لولاية جورجيا، فاز بمنصب حاكم الولاية في عام 1970. لكن طموحه لم يتوقف هنا، فدخل سباق الانتخابات الرئاسية عام 1976.
وسط فضيحة “ووترغيت” التي زعزعت ثقة الأمريكيين بقيادتهم، كان شعار كارتر “لن أكذب عليكم” رسالة قوية لامست مشاعر الناخبين. حمله هذا الوعد إلى انتصار انتخابي على الرئيس الحالي جيرالد فورد، ليصبح كارتر الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة، وأول “غريب سياسي” حقيقي منذ أبراهام لينكولن.
كانت رئاسة كارتر مليئة بالطاقة المثالية العالية: السلام بين إسرائيل ومصر، إنهاء العداء في الحرب الباردة، وسياسة خارجية تتمحور حول حقوق الإنسان. حلم بالمصالحة العرقية وتجديد الروح الوطنية. رؤى نبيلة كلها، لكنه غالباً ما بالغ في تقدير قدرته على التحكم في الأحداث.
ومع ذلك، شهدت رئاسته إنجازات لافتة. فقد أسفرت اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1978، التي أشرف عليها شخصياً، عن سلام مجمّد لكنه دائم بين إسرائيل ومصر. ورغم أنه لم يُحدث أثراً كبيراً في الشرق الأوسط، إلا أن الاتفاق منح مصر علاقات رسمية – وإن كانت باردة – مع إسرائيل منذ أواخر السبعينيات، مما شكل تحولاً استراتيجياً في المنطقة.
محلياً، دعم كارتر تحرير صناعة الطيران من القيود الفيدرالية التي استمرت لعقود، مما جعل السفر الجوي متاحاً للأمريكيين العاديين بدلاً من كونه رفاهية للنخبة.
لكن هذه الإنجازات طغت عليها أزمات متفاقمة. كان الاقتصاد الأمريكي يعاني من ظاهرة “الركود التضخمي”، التي تمثل مزيجاً قاتلاً من التضخم والبطالة. أدت أزمة الطاقة إلى طوابير طويلة أمام محطات الوقود، مما كشف عن هشاشة الولايات المتحدة. وفي عام 1979، غزت الاتحاد السوفيتي أفغانستان، مما زاد من برودة الحرب الباردة.
كانت هذه أزمات لا يمكن لأي رئيس أن يحلها بمفرده، لكن عجز كارتر عن التواصل مع الشعب الأمريكي زاد الطين بلة.
خطابه المعروف بـخطاب الكآبة عام 1979 كان انعكاساً واضحاً لأسلوبه الذي يفتقر للتواصل. بدلاً من بث الأمل، وبّخ الأمريكيين على مادية حياتهم، ودعا إلى ترشيد استهلاك الوقود. في وقت أزمة، بدا هذا أقل كونه دعوة للعمل وأكثر كونه توبيخاً.
لكن الأزمة التي عرّفت رئاسة كارتر جاءت من الشرق الأوسط. عندما استقبلت الولايات المتحدة الشاه الإيراني المنفي لتلقي العلاج من السرطان، ردّ الثوار الإيرانيون باقتحام السفارة الأمريكية في طهران. احتُجز 52 أمريكياً كرهائن لمدة 444 يوماً، مما شلّ رئاسة كارتر.
زادت مهمة إنقاذ فاشلة في أبريل 1980، التي انتهت بالإذلال، من شعور أمريكا بالعجز.
بحلول انتخابات 1980، كان الأمريكيون مستعدين للتغيير. جاء خطاب رونالد ريغان المفعم بالتفاؤل والقوة ليحصد نصراً كاسحاً على كارتر. غادر كارتر المنصب وهو يشعر بالتواضع، ليبدأ أطول فترة ما بعد الرئاسة في تاريخ الولايات المتحدة.
ورغم أن فشله في البيت الأبيض طغى على إنجازاته، إلا أن إرثه الحقيقي بدأ يتشكل بعد خروجه. أدرك كارتر أن القيادة لا تنتهي بمغادرة المكتب البيضاوي. فأسس مؤسسة كارتر للعمل الإنساني ونشر الديمقراطية، ليكرّس حياته لخدمة المحتاجين وإرساء قواعد السلام. قاد حملات لمكافحة الأمراض في إفريقيا، وعمل على مراقبة الانتخابات لضمان نزاهتها في الدول النامية.
لكن قصة كارتر تحمل نقداً لاذعاً لمن يعتقد أن المثالية وحدها كافية للقيادة السياسية. فقد أظهرت رئاسته أن النزاهة والأخلاق، رغم أهميتهما، قد تكونان عقبة أمام رجل السياسة إذا لم تترافقا مع القدرة على الإدارة الفعالة وحسن التواصل. كارتر أثبت أن صاحب المبادئ النبيلة قد يفشل في مواجهة التحديات المعقدة إذا افتقر إلى براعة القيادة وحسن التعامل مع الأزمات.
من منظور الشرق الأوسط، رئاسته تذكرنا بأهمية التواضع في القيادة، بينما يبرز إرثه الإنساني مثالاً يُحتذى في استغلال الفرص الثانية لتغيير العالم. لكنه يبقى درساً في أن المثالية وحدها لا تصنع قائداً ناجحاً.

