الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
من منظور عربي
أثبت تعامل الرئيس دونالد ترمب مع غزة خلال فترته الثانية في الحكم أنه يفتقر إلى فهم جوهري للقضية الفلسطينية وأهميتها في العالم العربي. إذ انطلق نهجه من اعتبارات الأمن الإسرائيلي فقط، متجاهلاً الأبعاد السياسية والتاريخية والإنسانية للصراع.
لا يزال ترمب يصور غزة على أنها مجرد “معقل للإرهاب”، متناسيًا أنها موطن لأكثر من مليوني فلسطيني يعانون منذ عقود من حصار خانق. إن دعمه غير المشروط للحملات العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب الطروحات التي تتحدث عن إعادة توطين سكان غزة، يعكس استخفافًا مقلقًا بحقوق الفلسطينيين. هذا النهج يعزل الحكومات العربية عن شعوبها، ويعزز القناعة بأن الولايات المتحدة منحازة بالكامل لإسرائيل على حساب استقرار المنطقة.
إن تجاهل معاناة الفلسطينيين وعدم تقديم أي حل سياسي يُسهم في تقوية التطرف الذي يدّعي ترمب محاربته. لقد أثبت التاريخ أن الحركات الراديكالية تزدهر في بيئات القهر والظلم، وعندما يعاقب شعب بأكمله دون أفق لحل عادل، تتجذر الأيديولوجيات المتطرفة. بهذا المعنى، فإن سياسات ترمب ليست فقط غير فعالة، بل هي عكسية النتائج، وتوفر دعاية مجانية للتنظيمات الراديكالية في المنطقة.
من منظور عربي-أمريكي
بالنسبة للعرب الأمريكيين، فإن سياسات ترمب تجاه غزة تعكس الإحباط المستمر من السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. فهو يصور الفلسطينيين كالعقبة الوحيدة أمام السلام، بينما يبرئ إسرائيل من مسؤوليتها عن الكارثة الإنسانية القائمة.
هذا الانحياز لا يضر بالفلسطينيين فحسب، بل ينعكس أيضًا على العرب الأمريكيين. إن نزع الصفة الإنسانية عن غزة يساهم في تغذية الخطاب الإسلاموفوبي والمناهض للعرب في المشهد السياسي الأمريكي. لطالما عانى العرب الأمريكيون من الصورة النمطية التي تصورهم كأجانب غير مندمجين، وسياسات ترمب تجاه غزة تعزز هذا الانطباع بأن مجتمعاتهم مرتبطة بـ”متعاطفين مع الإرهاب” بدلاً من كونها ضحية لاحتلال مستمر منذ عقود.
سياسة ترمب تضر أيضًا بمصداقية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فمهما سعت إدارته لتحسين العلاقات مع الدول العربية، فإن تجاهل محنة الفلسطينيين يُفقد أي جهود دبلوماسية أمريكية جديتها. لا يمكن للدبلوماسية الأمريكية أن تنجح إذا كانت تُدار بازدواجية المعايير الفاضحة.
علاوة على ذلك، فإن تجاهل الأسباب الجذرية للتطرف وتبرير العقاب الجماعي هو وصفة مضمونة لعدم الاستقرار. إن عدم التعامل مع المظالم المشروعة يخلق بيئة خصبة لنمو الجماعات الراديكالية، سواء في الشرق الأوسط أو حتى في المجتمعات المهمشة حول العالم.
من منظور سعودي
لطالما دافعت المملكة العربية السعودية عن حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، كما ورد في مبادرة السلام العربية لعام 2002. وقد أكدت المملكة مرارًا أن أي سلام دائم في المنطقة لا بد أن يضمن حقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم المستقلة.
إلا أن سياسات ترمب تجاهلت تمامًا البعد السياسي للصراع، وتعاملت مع غزة باعتبارها مجرد “مشكلة أمنية”. والأخطر من ذلك، أن مقترح إدارته المتعلق بترحيل سكان غزة إلى خارج وطنهم الأصلي يُعد انتهاكًا صارخًا لهويتهم الوطنية وحقهم في تقرير المصير.
تدرك الرياض أن تحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم بتهميش الفلسطينيين، وهي ملتزمة بدفع عجلة السلام، لكن أي حل يُفرض دون موافقتهم لن يكتب له النجاح. خطأ ترمب الجوهري هو افتراضه أن الدول العربية ستتخلى عن القضية الفلسطينية مقابل مكاسب سياسية آنية—وهو سوء فهم عميق لواقع السياسة الإقليمية.
أمنيًا، فإن نهج ترمب يُقوّض جهود مكافحة الإرهاب. فالحركات المتطرفة تعتمد في خطابها على روايات القهر والاضطهاد، والسياسات الأمريكية التي تتجاهل معاناة الفلسطينيين تمنح هذه الجماعات مادة دعائية جاهزة. إذا بقيت غزة تحت الحصار دون أفق سياسي، فإن الجماعات المتطرفة ستستغل هذه الأزمة لتجنيد الشباب المحبطين الذين فقدوا الثقة في جدوى الحلول الدبلوماسية.
من منظور القانون الدولي
إن سياسات ترمب تجاه غزة تمثل إشكالية قانونية خطيرة. إذ أن دعمه الصريح للحصار الإسرائيلي والعمليات العسكرية لا يتماشى مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، والتي تنص على حماية السكان المدنيين.
استمرار الحصار على غزة منذ سنوات يُعد شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، وهو محظور بشكل واضح بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. علاوة على ذلك، فإن الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على القطاع تؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وهو ما ينتهك قواعد الضرورة والتناسب في النزاعات المسلحة.
كما أن تبني الإدارة الأمريكية لخطاب إعادة توطين سكان غزة يتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر التهجير القسري. هذه السياسات لا تضر فقط بالحقوق الفلسطينية، بل تُضعف أيضًا المعايير القانونية العالمية التي تهدف إلى حماية المدنيين في مناطق النزاع.
إن تجاهل القانون الدولي في غزة يشكل سابقة خطيرة. فإذا تمكن قادة العالم من انتهاك المبادئ الإنسانية الأساسية دون محاسبة، فإن ذلك يقوض أسس العدالة الدولية. وهذا التجاهل لا يمر مرور الكرام—بل يغذي مشاعر الغضب والتطرف ويزيد من زعزعة الاستقرار.
خاتمة
إن سياسة ترمب تجاه غزة معيبة في جوهرها لأنها تفترض أن المشكلة، التي هي أساسًا سياسية، يمكن حلها بالقوة العسكرية والحوافز الاقتصادية. إن تجاهل الأبعاد التاريخية والقانونية والإنسانية للأزمة لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار، وسيضعف مصداقية الولايات المتحدة عالميًا.
والأسوأ من ذلك، أن هذه السياسات ستوفر فرصة ذهبية للحركات المتطرفة لاستغلال القضية. فعندما يتم التعامل مع شعب بأكمله وكأنه فائض عن الحاجة، وحين يتم إضفاء الشرعية على الظلم، وعندما يتم التخلي عن الدبلوماسية لصالح القوة الغاشمة، فإن الأيديولوجيات المتطرفة تجد أرضًا خصبة للنمو.
إن دروس التاريخ واضحة: قمع الشعوب وإنكار حقها في حل عادل لا يؤدي إلا إلى استمرار دوامة العنف. إن الوصول إلى حل دائم للصراع يتطلب الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، والانخراط في دبلوماسية جادة، واحترام القانون الدولي. العالم العربي، والعرب الأمريكيون، والقانون الدولي جميعهم يشيرون إلى حقيقة واحدة: غزة ليست “مشكلة أمنية” يجب إدارتها، بل أزمة سياسية تتطلب حلاً عادلاً ومستدامًا. وإذا فشل ترمب في استيعاب ذلك، فإنه لن يطيل أمد الصراع فحسب، بل سيمنح فرصة سانحة لكل من يتغذى على الفوضى واليأس.

