الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
لو لم تحدث الثورة الروسية عام 1917، لكانت مجريات التاريخ الحديث مختلفة تمامًا. لم تكن الثورة حتمية، ولكن بفضل إصرار رجل واحد، وقعت. ذلك الرجل هو فلاديمير لينين.
أدى صعود لينين إلى السلطة إلى ظهور أول نظام شمولي في العالم، مما أطلق العنان لعقود من البؤس والدمار على البشرية. لم يكن هذا البؤس وليد الصدفة، بل كان نتيجة مباشرة لتعطش لينين اللامحدود للسلطة. إن أي محاولة لفصل لينين عن جرائم الشيوعية السوفيتية ليست مجرد خطأ، بل تلاعب متعمد بالحقائق. لم يبدأ حياته كحالم مثالي انحرفت مبادئه، بل كان هو المهندس الأول لنظام قائم على القمع والإرهاب، وما فعله ستالين لم يكن سوى توسيع لهذا الأساس.
وُلد لينين عام 1870 على ضفاف نهر الفولغا، ولم يكن نتاج حياة قاسية، بل نشأ في بيئة مريحة نسبيًا. ولكن إعدامه شقيقه ألكسندر، بتهمة التآمر ضد القيصر، غيّر مجرى حياته. ومنذ ذلك الحين، امتلأت حياته بالحماسة الثورية، ورأى نفسه بصفته مبشرًا بعالم جديد. ولم تؤثر فيه سنوات النفي إلى سيبيريا، بل زادته خبرة في التنظيم ونشر قضيته.
مؤامرة ضد الأعداء وصعود الشمولية
من المفارقات أن لينين ما كان ليصل إلى السلطة لولا تدخل ألمانيا، العدو الرئيسي لروسيا في الحرب العالمية الأولى. فقد أراد الألمان زعزعة استقرار روسيا وتركيز الحرب على الجبهة الغربية فقط، فقاموا بنقل لينين في قطار مغلق إلى سانت بطرسبرغ، ونجحت خطتهم. ففي أكتوبر 1917، أطاح لينين والبلاشفة بالحكومة المؤقتة، واستولوا على السلطة تحت شعار “السلام، الأرض، الخبز”. لكن هذه الشعارات كانت زائفة؛ لم يتحقق السلام، وتمت مصادرة الأراضي، وسرعان ما حل الجوع.
وعندما جرت الانتخابات، هُزم البلاشفة هزيمة ساحقة، حيث حصلوا على 24% فقط من الأصوات. لكن لينين لم يكن لديه أي نية للحفاظ على النظام الديمقراطي، فألغى البرلمان المنتخب ديمقراطيًا وأقام نظامًا بوليسيًا، حيث أسس “التشيكا”، الجهاز الأمني الذي سبق الـ KGB. ربما كانت الشرطة السرية القيصرية قمعية، لكن “التشيكا” كانت أشد وحشية، إيذانًا بعصر من التصفيات السياسية والإعدامات والقمع الشامل.
الشرق الأوسط: الضحية الدائمة للصراع الأيديولوجي
لم يتوقف تأثير لينين عند حدود روسيا وأوروبا الشرقية، بل امتد إلى الشرق الأوسط، حيث تركت الحرب الأيديولوجية بين الشيوعية والرأسمالية التي أطلقها بصمتها العميقة على المنطقة لعدة قرون قادمة.
ومع تصاعد الحرب الباردة، أصبح الشرق الأوسط ساحة مواجهة بين القوى العظمى المتنافسة. فقد دعمت موسكو الحركات الشيوعية والاشتراكية في العالم العربي، في العراق الانقلاب على الملك فيصل وصول نظام البعث للسلطة وما ترتب على ذلك، ومصر نظام جمال عبدالناصر وما ترتب على ذلك من محولات مهاجمة أنظمة دول الخليج الملكية وحرب اليمن، وسوريا وصول نظام الأسد للسلطة الذي مارس أبشع الجرائم تجاه الشعب السوري بينما قامت الولايات المتحدة باخطاء كبيرة في مواجهة المد الشيوعي في الشرق الأوسط ارهاصات هذا التنافس لا يزال تأثيرها في الشرق الأوسط قائم. وقد أدى هذا التنافس إلى زعزعة استقرار المنطقة، وأدى إلى انقلابات، وحروب أهلية، واضطرابات أيديولوجية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لا يزال إرث لينين حاضرًا. فالتصفيات السياسية، وقمع وسائل الإعلام، والأجهزة الأمنية القمعية أصبحت ممارسات متجذرة في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي وفي دول الشرق الأوسط. إن الصراعات الأيديولوجية التي أطلقها لم تنتهِ عام 1991، بل تحولت وتكيفت، والشرق الأوسط اليوم لا يزال يدور في حلقة مفرغة من الصراع، حيث تحوم أشباح الديكتاتورية والشيوعية على المشهد السياسي.
توفي لينين عام 1924 بعد إصابته بعدة جلطات دماغية، لكنه لم يكن بحاجة للانتظار طويلًا ليرى الفظائع التي أطلقتها عقيدته. فقد أسس نظامًا قائمًا على العنف والقمع وتقويض الحريات الفردية. ولم يكن ثمن ثورته محصورًا بروسيا وحدها، بل دفع العالم ثمنه، وكان الشرق الأوسط من أكبر ضحاياه.

