في أحد المنازل الصغيرة بمدينة بومبي الإيطالية، التي دفنتها النيران والرماد منذ نحو ألفي عام، ظل سرير قديم وجسد طفل متحجر يشهدان على لحظة كارثية، عاشتها أسرة رومانية لم تكن تعلم أن محاولتها البسيطة بإغلاق باب الغرفة بوسادة وسرير، ستكون الفصل الأخير من حياتها، وأن رماد بركان فيزوف سيحولهم إلى صدى منسيّ في تاريخ مأساوي.
خلال أعمال تنقيب حديثة في بيت أطلق عليه علماء الآثار اسم “منزل هِلِّي وفريكسوس”، عثر الباحثون على رفات أربعة أشخاص، من بينهم طفل، تكدسوا قرب سرير جرى دفعه بإحكام لإغلاق مدخل غرفة نوم.

بدا الأمر وكأن أفراد هذه الأسرة حاولوا الاحتماء بأي وسيلة ممكنة من الانفجار الهائل الذي كان قد بدأ للتو. لم يكن في وسعهم سوى محاولة حجب الرماد، وكأنهم يوهمون أنفسهم أن السرير يمكنه صدّ الزلزال والنار.
المنزل الصغير، الذي تزيّنه لوحة جدارية أسطورية تصور الشقيقين فريكسوس وهِلِّي وهما يهربان من زوجة أبيهما على ظهر كبش ذهبي، حمل دلالة مؤلمة: في الحكاية، تسقط هِلِّي في البحر وتغرق. وفي الحقيقة، سقطت العائلة هنا بين ألسنة الرماد، بعد أن غمر أفرادها سيل جارف من الحمم والغازات الحارقة.
غابرييل زوكتريغل، مدير متنزه بومبي الأثري يقول: “الرماد لم يدخل فقط من الأبواب، بل تسلل من ثقب في السقف، ومع الزلزال الذي سبق الانفجار، انهارت أجزاء كثيرة من المدينة.
“كانت نهاية هذه العائلة حتمية”. وقد صنع الفريق الأثري قالبًا دقيقًا للسرير المستخدم، لتوثيق تلك اللحظة.
البيت نفسه بدا وكأنه كان في طور الترميم، فغياب بعض الزخارف والأثاث يشير إلى أعمال لم تكتمل، ربما بسبب هزات سبقت الانفجار. لكن رغم ذلك، كشفت التنقيبات عن غرفة طعام، وحوض ماء، وأواني فخارية ونحاسية، و”بولا” برونزية، وهي تعويذة عادة ما تُعلّق على أعناق الأطفال للحماية.
بركان فيزوف لم يمنح السكان أي فرصة.

بدأت الكارثة بسحابة رماد حجبت الشمس، ثم أمطرت حجارة حارقة أحرقت كل شيء، وأخيرًا دهمت التدفقات البركانية المنازل كجحيم من نار وغبار. وفي بضع ساعات، اختفت بومبي من الوجود، وغدت أطلالها مدفونة تحت 6 أمتار من الرماد.
وعلى مدار قرون، بقيت المدينة طيّ النسيان، إلى أن بدأت الحفريات في القرن الثامن عشر تكشف أسرارها. واليوم، يقف الزوار أمام سرير وعظام ومجموعة أوانٍ، فيشعرون بأنهم لا يطلّون على مجرد أنقاض، بل على لحظة توقف فيها الزمن، حيث الجمال والرعب امتزجا في مشهد واحد.
يقول زوكتريغل: “في بومبي، نقابل روعة الفن، ونواجه في الوقت ذاته هشاشتنا نحن البشر”.

