الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
أيام قليلة ويحتفل إيلون ماسك بعيد ميلاده الرابع والخمسين، لكن سمعته وصيته تعديا كل أرجاء البشرية. العالم يعرفه بأنه رجل الأعمال الثري، أو كما يُذكر أحيانًا، أغنى رجل في العالم بثروة تفوق رقم الثلاثمائة مليار دولار وتقترب من مبلغ الأربعمائة مليار من الدولارات.
لكن ما يشغل الرأي العام الأمريكي والرأي العام العالمي هو نزاعه الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والذي عبر عن خصومة سياسية عميقة، مع منافسة شخصية حادة ما بين أقوى رجل في العالم وأغنى رجل في الكون. وبالطبع سوف يكون لهذا النزاع، الذي تم احتواؤه ومحاولة تغطيته، مدلولات هامة على السياسة والحكم والاقتصاد في الولايات المتحدة بل وفي كل أنحاء العالم.
لا شك أن إيلون ماسك يملك قدرات مذهلة في مجالات متعددة، وبالذات إدارة الأعمال والاستثمار، والتي أسفرت عن دخوله كمالك أو مساهم كبير في رؤوس أموال شركات عدة مثل السيارة الكهربائية المعروفة باسم “تسلا”، وشركة “سبيس إكس” التي تستثمر في رحلات الفضاء الخارجي وتكنولوجياته، ومنصة التواصل الاجتماعي المعروفة سابقًا باسم “تويتر”، وشركات التعاملات المالية المختلفة مثل “باي بال”، وغيرها من الاستثمارات والشركات التي تُعتبر بكل المقاييس ناجحة تجاريًا واقتصاديًا.
والجدير بالذكر أن رحلة هذا الجنوبي الأفريقي الأبيض من القارة السوداء إلى كندا ثم إلى أمريكا كانت حافلة بالمغامرات والنزوات والكبوات، وأيضًا بالمكاسب الكبيرة التي أهلته للتعرف على رجل أعمال أمريكي آخر كان يعمل في مجال استثمارات العقارات من مدينة نيويورك، وكان تراوده أحلام كثيرة في أن يدخل معترك السياسة، ألا وهو دونالد ترمب، الذي حقق أحلامه السياسية وأصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية مرتين.
التعارف والتلاقي ما بين ترمب وماسك تم أثناء حملة ترمب الانتخابية الرئاسية في العام الماضي، وكان لهما ظهورات عديدة معًا في مواقع متعددة. وكان ماسك يتحدث قبيل أن يعتلي ترمب المنصة ويقدمه مشيدًا به على أنه أفضل من يصلح لأن يكون رئيسًا لأمريكا.
وتشير عدة بيانات رسمية إلى أن ماسك قدم تبرعات بقيمة ٢٨٨ مليون دولار لحملة ترمب بالإضافة إلى حملات الكثير من المرشحين الجمهوريين. كما قام ماسك أيضًا بإنشاء لجنة عمل سياسي لدعم ترمب عُرفت باسم “أمريكا.” هذا بالإضافة إلى التبرعات الشخصية التي قدمها ماسك لترمب وللقضايا التي يتبناها.
وكان ترمب سخيًّا مع ماسك، فعينه فورًا المشرف وبتفويض كبير على إدارة حكومية وزارية جديدة للعمل على إصلاح الجهاز الحكومي الأمريكي المترهل بقوانين قديمة وعمالة زائدة.
وفعلًا في الشهور الأولى لحكم ترمب، قام ماسك بإلغاء العديد من مواد الإنفاق في الميزانية العامة للدولة. كما قام أيضًا بتسريح عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين. كما أشرف أيضًا على تقليص الصلاحيات الإدارية والقانونية للعديد من أجهزة الحكم في أمريكا. كان هذا لغرض تخفيف حجم العجز في الميزانية الحكومية، ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
لكن هذا سبب حالة من الاحتجاجات واندلعت مظاهرات كثيرة تطالب بإلغاء قرارات ماسك. وكانت هناك شعارات تُذكر بأن ماسك ليس هو رئيس الولايات المتحدة، وأنه لا يمكن أن يكون له دور في رسم سياسات الأجهزة المختلفة للحكومة.
وبعد مضي عدة شهور، أعلن ماسك فجأة بأن دوره قد انتهى في العمل الحكومي، وأنه ليس مسؤولًا عن هذه الوزارة الجديدة التي وُضعت تحت إشرافه.
والجدير بالذكر أنه عند نجاح ترمب، شهدت الشركات المملوكة لماسك ارتفاعًا كبيرًا في قيمة أسهمها، وأدت هذه الزيادة في رؤوس أموالها إلى ارتفاع قيمة ثروته بحوالي مائة مليار دولار من أيام قليلة. إلا أن هذا الارتفاع المثير للجدل تبخر عندما دفع الهجوم عليه العديد من المستثمرين لسحب أموالهم من شركاته.
لذا، فعندما وقع الخلاف ما بين ترمب وماسك في الأسابيع القليلة الماضية، كان ماسك في موقف مهزوز؛ لأنه كان يخسر ماليًا، وكان أيضًا يفتقر إلى أي قاعدة سياسية تمكنه من الاحتفاظ بالسلطة الرسمية وقوتها.
وأصل الخلاف هو انتقاد ماسك للميزانية الحكومية التي أعلنها ترمب، واصفًا إياها بأنها “الميزانية الحسناء السمينة.”
وأضاف ماسك بأن هذه الميزانية تنفق بلا حساب على المدى الطويل على برامج حكومية غير ضرورية. وذكرت تقديرات ماسك بأن هذه الميزانية سوف تزيد من حجم الدين العام للولايات المتحدة.
وبعد هذا الهجوم، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن دهشته من هذا الهجوم على الميزانية، مستدلًا بأن ماسك كان يعرف بكل بنود هذه الميزانية وكل جوانب الإنفاق فيها. بعدها احتد الصراع ما بين الرجلين، عندما ذكر ماسك بأنه صاحب الفضل في نجاح ترمب في الانتخابات الرئاسية.
وسرعان ما رد عليه ترمب مذكرًا إياه بأنه هو الشخص الذي خاطب الشعب الأمريكي مباشرة، وأن التأييد الشعبي له كان كبيرًا وجليًّا في أرقام الأصوات المرتفعة التي حصل عليها. وأخذ الخلاف منحى شخصيًا عندما اتهم ماسك ترمب بضلوعه في بعض الفضائح الأخلاقية.
ولأن الصداقة ما بين ترمب وماسك حديثة، سبب هذا أن كل طرف في هذا النزاع أحضر صورًا وذكريات سيئة عن الآخر في سنوات ماضية.
وكان من الواضح أن ترمب هو الرابح في هذا السجال لعدة أسباب، أولها التراجع الكبير في قيمة شركات ماسك، وتشفي الكثير من الناس في هزيمة ماسك، الذي كان يُنظر إليه على أنه السبب في فقدان العديد من الأشخاص وظائفهم. هذا بالإضافة إلى اعتبار العديد من الأشخاص عدم الوضع القانوني والدستوري لماسك.
كما أن العديد من أنصار ترمب من اليمين المحافظ كانوا لا يحبون ماسك لكونه رجل أعمال فاحش الغنى ولا يمت بصلة للطبقة المتوسطة. وشكك العديد في عدم إيمان ماسك بالقيم السياسية المحافظة اجتماعيًا.
وفي خضم هذه التطورات، تم كشف النقاب عن أن ماسك له عادة تعاطي المخدرات، وكانت هناك أدلة على تعاطيه المخدرات أثناء مصاحبته للرئيس ترمب أثناء جولاته الانتخابية.
وهدد الرئيس ترمب بأنه سوف يُلغي عقود وتعاقدات الحكومة الأمريكية مع شركات إيلون ماسك إذا لم يوقف هجومه عليه.
وبنفس السرعة التي حدث فيها هذا النزاع، تم أيضًا إنهاؤه، على الأقل في الوقت الحالي. حدث هذا عندما كتب ماسك عدة تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها، معلنًا أنه آسف للعبارات المنسوبة إليه والتي تناولت شخص الرئيس الأمريكي بالتجريح.
لم يرد الرئيس ترمب نفسه، لكن نائب الرئيس فانس قال إن الرئيس ترمب يقدر هذا الموقف من ماسك حق التقدير، وإن الطرفين لن يكونا على خصومة بينهما بعد الآن.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن الأغلبية من مؤيدي الرئيس ترمب يلقون باللوم على ماسك في إثارة هذا الخلاف. السؤال المطروح في الوقت الحاضر هو: هل يتجدد هذا النزاع ما بين ترمب وماسك؟ يبدو أن ماسك يهوى إعلان عدائه للرئيس الأمريكي.
فمنذ أيام قليلة، هاجم ماسك أحد معاوني ترمب، واصفًا إياه بالحية الخبيثة التي سببت نزاعه مع ترمب.
لكن الرأي المخالف لمزاعم ماسك هو أن هذا الشخص قدم توصية لترمب بعدم السماح لأحد المقربين من ماسك بتولي إدارة وكالة الفضاء الأمريكية، بسبب أنه قدم تبرعات سخية للمرشحين الديمقراطيين، وبالطبع سوف ينحاز الرئيس ترمب إلى جانب معاونه.
سوف يكون مشهدًا مثيرًا للجدل إذا استمرت الخلافات ما بين ترمب وماسك. الأهم في الموضوع، من سيربح في نهاية المطاف؟ رجل السياسة والحكم، أم رجل الأعمال والاستثمارات؟

