د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
لا شك بأن الفساد يعد أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات على حدٍّ سواء، كونه يلتهم الموارد، ويعطّل المشاريع، ويقوّض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار والتنمية المستدامة. ولذلك، اتخذت أغلب الدول في السنوات الأخيرة موقفًا حازمًا لمكافحة الفساد بكل أشكاله، انطلاقًا من قناعة راسخة أن الفساد عدو التنمية.
بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، فإن الفساد يكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 2.6 تريليون دولار سنويًا، ويؤدي إلى فقدان ما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يشكّل نزيفًا مستمرًا يعيق خطط التنمية ويهدر مقدرات الشعوب. وفي الدول النامية، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الفساد يتسبب في فقدان 20% إلى 40% من المساعدات والمخصصات التنموية، مما يضعف فاعلية الجهود الدولية في محاربة الفقر والبطالة.
لا يمكن بأي حال من الأحوال لأي خطة تنموية أن تُكتب لها النجاح ما دام الفساد مستشريًا، إذ يتسبب في الاتي:
– تأخير المشاريع الكبرى أو تنفيذها بجودة متدنية.
– زيادة كلفة الإنشاء والتشغيل بسبب الرشاوى والمحسوبيات.
– تقليص ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في البيئة الاستثمارية.
– هروب الكفاءات والنخب بسبب غياب العدالة وتكافؤ الفرص.
لقد تنبه المجتمع الدولي إلى خطورة الفساد على التنمية، فأُنشئت العديد من الهيئات والاتفاقيات، من أبرزها:
– اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، والتي صادقت عليها أكثر من 180 دولة.
– تأسيس هيئات وطنية مستقلة للرقابة المالية والإدارية.
– تفعيل أدوات الشفافية والحوكمة الإلكترونية.
– إطلاق منصات لتمكين المواطنين من التبليغ عن الفساد.
ففي المملكة العربية السعودية تحديدا، شكّل عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان يحفظهم الله ويرعاهم نقلة نوعية في مكافحة الفساد، من خلال رؤية واضحة لا تتهاون مع الفاسدين، مهما كانت مناصبهم.
ومن أبرز المحطات البارزة في هذا المسار:
– إنشاء اللجنة العليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد في عام 2017، والتي قامت خلال فترة وجيزة باستدعاء عشرات المسؤولين ورجال الأعمال والتحقيق معهم في قضايا فساد كبيرة.
فبحسب تصريحات رسمية، أدّت هذه الإجراءات إلى استرداد أكثر من 400 مليار ريال سعودي (حوالي 107 مليار دولار أمريكي) إلى خزينة الدولة، عبر تسويات مالية مع المتهمين. فهذه الأموال أعيد ضخّها في مشاريع تنموية ضخمة، مثل مشروع نيوم، وتطوير البنية التحتية، ودعم الإسكان، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية.
و تلعب هيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة” دورًا محوريًا في كشف حالات الفساد، وتحقيق العدالة، ومن أبرز إنجازاتها:
– استقبال آلاف البلاغات من المواطنين والمقيمين.
– إحالة مئات القضايا إلى النيابة العامة بعد التحقق منها.
– التعاون مع الجهات الرقابية الأخرى لتعزيز الشفافية.
– التوعية المجتمعية بثقافة النزاهة والوقاية من الفساد.
إن النجاحات السعودية في مكافحة الفساد تؤكد أن الفساد ليس قدرًا محتومًا، بل هو عدو يمكن القضاء عليه بإرادة سياسية صلبة، وتشريعات حازمة، وأجهزة رقابية مستقلة، وتعاون مجتمعي واعٍ. فقد أثبتت المملكة أن مواجهة الفساد ليست مجرد شعارات، بل سياسة دولة، ضمن رؤية السعودية 2030، التي جعلت من الحوكمة والشفافية ركيزتين أساسيتين للتنمية الشاملة.
ختاما، اقول إن بناء مستقبل مزدهر يتطلب بيئة نظيفة من الفساد، قائمة على الشفافية والنزاهة والمساءلة. وتجربة المملكة العربية السعودية في هذا المضمار تستحق أن تُدرس وتُحتذى، لأنها برهنت أن القضاء على الفساد هو أول خطوة على طريق التنمية الحقيقية، وأن ما يُسترد من أموال منهوبة، يمكن أن يتحول إلى مشاريع طموحة تعود بالنفع على الوطن والمواطن.

