الدكتورة ميادة غانم – استشاري الصحة النفسية والدعم النفسي
سحر البداية… وسرعان ما يزول، يُعرف في علم النفس ما يُسمى بـ”تأثير البداية” (Fresh Start Effect)، وهو ميل الإنسان للشعور بالتحفيز عند أي مناسبة جديدة مثل بداية سنة، أول يوم في الشهر، عيد ميلاد.
وهذا التأثير يمنحنا دفعة عاطفية، لكنها غالبًا ما تكون مؤقتة؛ وبمجرد أن نصطدم بواقع الالتزامات والروتين، تتراجع عزيمتنا، ونكتشف أننا لا نملك خطة بقدر ما نملك أمنية.
المشكلة ليست في البدايات بل في التوقعات، وما يقتل التغيير ليس الكسل، بل المبالغة.
البعض يرسم صورة مثالية ونترك كل العادات السيئة في ليلة واحدة، هذا التصور غير الواقعي يجعل الفشل محققًا من البداية، لأننا ببساطة لا نُراعي طبيعة النفس البشرية ولا منطق التدرج.
خرافة البدايات الكبرى
يرتبط الفشل أحيانًا باعتقاد أن التغيير لا يكون إلا “شاملًا”، أو أن التحول الحقيقي لا يحدث إلا إذا بدأ بانقلاب جذري في نمط الحياة، لكن الحقيقة أن أكثر التغييرات ثباتًا تبدأ بخطوة صغيرة، متكررة، لكنها محسوبة.
أن تبدأ بشرب كوب ماء صباحًا، أو بالمشي عشر دقائق، أو بالامتناع عن عادة واحدة لمدة أسبوع، هذا هو التغيير الحقيقي؛ فالتحولات الكبيرة ليست قرارًا لحظيًا، بل تراكم خيارات يومية بسيطة.
ما الذي يصنع تغييرًا حقيقيًا إذًا؟
– الوضوح لا الحماس: اسأل نفسك لماذا أريد هذا التغيير؟ فالفهم أعمق من الاندفاع.
– البدء بالأبسط: اختر عادة صغيرة، يسهل دمجها في يومك، وكررها دون انتظار نتائج فورية.
– الرحمة مع النفس: التراجع ليس فشلًا، بل جزء من الرحلة.
– الاستمرارية أهم من البداية: يوم جيد يتلوه آخر متوسط أفضل من بداية نارية تنطفئ سريعًا.
– المراجعة الدورية: قف كل أسبوع واسأل نفسك: ما الذي اقتربت منه؟ وما الذي أعادني للوراء؟
ربما آن الأوان لأن نُغيّر فكرتنا عن التغيير ذاته، فكل بداية صغير إن وُاظبنا عليها، قد تصنع فارقًا لا تقدر عليه أعظم البدايات.

