كتب: فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
في مشهدٍ جيوستراتيجي عالمي لن يخلو من المكاسب السياسية الشخصية سواء على المستوى الداخلي والخارجي، يُنظر إلى اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي سيعقد غدا ، في ألاسكا بالقاعدة العسكرية في مدينة أنكوراج، كأكثر من مجرد اجتماع بين زعيمي قوتين نوويتين متنافستين على جميع الصُعد بامتياز، كونه لقاءً يجمع بين طموح شخصي أمريكي جامح لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية السريعة، ورغبة روسية تقليدية كامنة في استعادة مكانتها كندٍ موازٍ للغرب وداعم الصين والهند في معركته مع مراوغات البيت الأبيض..
ترمب ولقاء تحقيق الأمنيات
وفيما يسعى الكرملين من الخروج من عزلته، يضع ترامب نصب عينيه عندما يلتقى نظيره بوتين على جائزة نوبل للسلام بعد تحقيقه السلام بين الهند وباكستان واتفاق أذربيجان وأرمينيا، ووقف إطلاق النار بين كمبوديا وتايلاند بوساطة أمريكية؛ وينافح من أجل تحقيق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، ويطمح في تحقيق اختراق كبير في مسار القضية الأوكرانية ليصبح صانع السلام..
ترمب المعروف بنزعته في مسار المسرحيات السياسية، يرى في مثل هذه القمم منصة لحصد المكاسب المعنوية السياسية، والترويج لنفسه كصانع سلام عالمي يطمح من خلاله لنيل “جائزة نوبل للسلام”، وهي فكرة لم يُخفِ إعجابه بها في مناسبات سابقة، وعينه على جائزة نوبل ليست خفية، بل يلوّح بها دائمًا ضمن سردية “الرئيس المختلف” القادر على فتح قنوات حوار حتى مع الخصوم التاريخيين وينهي صراعات دامت عقودًا على حد زعمه.
منطلقات البراغماتية السياسية
وينظر ترمب للزعيم الروسي بوتين، ليس بمنظور الإعجاب، بل من منطلق البراغماتية السياسية كونه لا يرى في روسيا مجرد خصم جيوسياسي، بل ورقة تفاوضية يمكن توظيفها في الضغط على الحلفاء الأوروبيين، أو في موازنة النفوذ الصيني الصاعد أو إنهاء الأزمة الأوكرانية.
قيصر روسيا واوراق التأثير
أما بالنسبة لقيصر روسيا، فهو يدرك أن أي انفتاح على ترمب قد يُعيد لموسكو بعض أوراق التأثير السياسية التي فُقدت، خاصة في ظل العزلة الغربية المتزايدة. ولذلك، يُعد هذا اللقاء المحتمل محاولة لإعادة تشكيل محاور القوة السياسية وربما الاقتصادية، وربما أيضا يعد اختبارًا مبكرًا لمستقبل التوازنات الدولية.
ترمب والترشيحات لنوبل
ويُعدّ أحدث ترشيح لجائزة نوبل للسلام مؤشرًا جديدًا آخر على الدور الذي لعبه ترامب في محاولة التدخل في الأزمات العالمية، ويأتي بعد الترشيحات التي قُدّمت أو وعدت بها دول أخرى مثل باكستان وأذربيجان ولا يُمكن أخذ هذه الترشيحات المُجاملة بمعزل عن محاولاتٍ لكسب معاملة تفضيلية من زعيم أكبر اقتصاد وأقوى جيش في العالم. وفي حال فوزه، سيصبح ترامب خامس رئيس أمريكي ينال جائزة نوبل بعد تيودور روزفلت وودرو ويلسون وجيمي كارتر وباراك أوباما.
وسيتم الإعلان عن الجائزة في أكتوبر. ورغم الترشيحات التي قُدّمت لترمب، إلا هناك منتقدين له؛ بيد أنه في حالة نجاح ترامب في قمة ألاسكا في الوصول لوقف الحرب الروسية الأوكرانية فإن ترامب يكون قد رشّح نفسه بامتياز لنيل جائزة نوبل والتي يطمح للحصول عليها أسوة بالرئيس الأمريكي السابق أوباما الذي فاز بها عام 2009 بعد عام واحد من ولايته الأولى، وربما لسبب “كيدي”، إذ كان ترامب قد سخر من فوز أوباما بالجائزة، وقال آنذاك إنه لا يعرف “لماذا حصل عليها”.
ترمب والجدليات السياسية
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ الرئيس الأمريكي ترمب طموحه الواضح في نيل جائزة نوبل للسلام، معتبرًا أن مبادراته السياسية تستحق هذا التكريم العالمي. فالرجل الذي أحدث جدلاً واسعاً خلال فترته الرئاسية الأولى، عاد ليطرح نفسه من جديد كصانع سلام، مستندًا إلى سجله في قضايا دولية شائكة.
زخم اتفاقيات ابراهام
يرى ترمب أن اتفاقيات “أبراهام” التي وقّعتها إدارته بين إسرائيل وعدد من الدول العربية في فترته الأولى، تشكّل علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط وإنهاء الصراع مع اسرائيل ، وتمثّل اختراقًا سياسيًا لم يتحقق منذ عقود.
هذه الاتفاقيات بالفعل أكسبته بعض الترشيحات لجائزة نوبل، لكنها لم تُترجم إلى فوز فعلي، وسط تشكيك في دوافعها واستمراريتها وجوانبها الانتخابية .
ديمومة الاستمرار في الواجهة
ويبدو أن ترمب يُراهن الآن على مسارات جديدة تعيد اسمه إلى الواجهة السياسية ، منها التقارب المفاجئ مع باكستان، ودعوته للتهدئة في غزة، والترويج لدبلوماسية “السلام عبر الضغط الاقتصادي”، وهي نظرية جديدة يسوّقها كمزيج بين الردع والتهدئة ودخوله على خط تحقيق الهدنة بين الهند وباكستان وأذربيجان وأرمينيا.
نوبل والشعارات والمصالحات
لكن طريق نوبل ليس معبّداً بالشعارات والمصالحات فحسب. فالمجتمع الدولي يُقيّم السلام بناءً على نتائجه المستدامة، لا صفقات اللحظة أو تحقيق الصفقات للوصول إلى المصالح. وتظل مسألة منح ترمب نوبل للسلام خاضعة لتوازنات السياسة، ولجنة الجائزة المستقلة، التي تأخذ في الاعتبار الأثر الحقيقي على الشعوب، لا مجرد تحركات تكتيكية أو إعلامية.
الأسكا .. مصالح وطموحات
في المحصلة، فإن قمة ألاسكا هي لقاء القطبين العالميين ومرتبط ما بين الطموحات الشخصية بالمصالح الإستراتيجية، بين زعيم يرى نفسه مستحقًا لـ”نوبل”، وآخر لا يمانع منحها إذا أعادت لروسيا مجدها الضائع.
كلمة السر..أوكرانيا
إذًا قمة ألاسكا هي قمة مصالح بامتياز، وقد يوافق ترمب بإعطاء بوتين ما يريده في أوكرانيا لكي يدخل التاريخ من بوابة نوبل، لكن السلام الحقيقي لا يُصنع فقط بتوقيعات على الورق أو وعود انتخابية. السباق نحو نوبل يتطلب مصداقية، وديمومة، وأثرًا إنسانيًا، وهو ما لا يزال موضع جدل في تجربة ترمب السياسية حتى الآن.
خصوصًا في ظل ضياع حقوق الفلسطينيين المشروعة، فلا سلام حقيقي ولا أمن مستدام ولا منح جائزة نوبل لأي شخص حتى عودة الحقوق الشرعية للفلسطينيين والإعلان عن دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وأخيرا تظل قمة ألاسكا ذات طعم سياسي خاص؛ لاسيما أن عين ترمب في الأسكا ستكون على جائزة نوبل.. والأخرى على الداهية فلاديمير بوتين.

