عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
لا يمكن لأي منظمة أن تزدهر دون شبكة متماسكة من العلاقات المهنية. فمهما بلغ تطور الأنظمة، أو دقة الاستراتيجيات، تبقى العلاقات بين الزملاء هي المحرّك الحقيقي لعجلة الإنجاز. هي التي تزرع بيئة الثقة أو تُضعفها، ترفع سقف التعاون أو تهدمه. ولعل أكبر خطأ نرتكبه في بيئة العمل هو اعتقادنا بأن العلاقات المهنية يجب أن تكون مجردة من العاطفة. ذلك التصور الجاف يصنع أماكن عمل باردة، تُنجز المهام ولكن تقتل الانتماء. فالإنسان، أيًّا كانت درجته الوظيفية، يحمل معه مشاعر، وتفاعلات، واحتياجات للقبول والدعم والاحترام، وإذا لم تلبَ تلك الاحتياجات، يبدأ الخلل بالتسلل حتى إلى أقوى المؤسسات.
العلاقة الصحية في بيئة العمل لا تعني الصداقة المطلقة، ولا تعني الانغلاق التام. إنها تقوم على الاحترام، والوضوح، وحسن الظن. على أن يكون التواصل صادقًا لكن مهنيًا، والتقدير متبادلًا دون تكلّف. في المقابل، حين تُبنى العلاقات على المصلحة أو المجاملة المفرطة، يبدأ التعب النفسي، ويحل ما يمكن تسميته بـ”الإنهاك العاطفي” الناتج من التظاهر المستمر والمجاملات المرهقة، فيفقد الموظف جزءًا من ذاته كل يوم. وفي بيئات العمل التي يسود فيها التنافس السلبي، أو اللامبالاة، يتحول الزميل من شريك في النجاح إلى مصدر ضغط أو تهديد، فتنكسر فرق العمل من الداخل حتى وإن بقيت صامدة من الخارج.
ولأنّ بيئة العمل هي أكثر مكان نقضي فيه وقتنا، فهي تستحق أن نؤسس فيها علاقات حقيقية، تقوم على الإنصاف والاحتواء. لا مانع أن نبتسم، أن نسأل عن الزملاء، أن ندعم من يمرّ بضيق، أن نشكر من ساعدنا، أن نعبّر عن تقديرنا بصدق. فكل تصرف صغير في العلاقة اليومية يصنع مناخًا نفسيًا كبير الأثر. المدير الذي يبادر بالكلمة الطيبة، والزميل الذي لا يتجاهل تعب الآخرين، والفريق الذي يهنئ بعضه بإنجاز أو مناسبة — هؤلاء يصنعون بيئة يُراد البقاء فيها، لا مجرد بيئة يُؤدى فيها العمل.
ولا ننسى أن العلاقات الوظيفية القوية لا تعني غياب الاختلاف. بل في الحقيقة، القدرة على الاختلاف المهني بأدب، وإدارة النزاعات بدون شخصنة، هو أعلى درجات النضج المهني. بيئة العمل الناضجة لا تطرد الخلاف، بل توظفه للنمو، وتعلم أن التحديات الطبيعية بين البشر ليست تهديدًا، بل فرصة للفهم والتقارب وإعادة ضبط العلاقات.
في النهاية، كل منظمة تنجح ليس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تبنيه من روابط بشرية. العلاقات المهنية التي تُبنى على الصدق، والتقدير، والاحترام، تخلق فرقًا منسجمة، وإنتاجًا مستدامًا، وأماكن عمل تُشبه الإنسان أكثر من الآلة. وإذا أردنا أن نصنع بيئات عمل صحية، فعلينا أن نتوقف عن النظر إلى العلاقات كشيء ثانوي، وأن نبدأ بالاعتراف بأنها هي البنية التحتية الحقيقية لأي نجاح مؤسسي.
حين تصل العلاقة في العمل إلى مرحلة التقدير الصادق، تنمو المنظمات من الداخل، وتُثمر من حيث لا نتوقع.

