لم يعد الأمر مجرد خيال، بل حقيقة علمية مقلقة؛ فالذكاء الاصطناعي، ذلك العقل الرقمي الذي يزداد قوة وتعقيدًا كل يوم، يمكن أن “يُصاب بالجنون”. ففي دراسة رائدة، وضع العلماء أول دليل تشخيصي شامل يكشف عن 32 اضطرابًا نفسيًا يمكن أن تعاني منه الآلات، وهي أمراض تحاكي بشكل مخيف الاضطرابات العقلية البشرية، من الهلوسة والكذب القهري، وصولًا إلى العدوانية المطلقة.
وفي إطار عمل أطلقوا عليه “Psychopathia Machinalis” أو “الأمراض النفسية للآلات”، نُشر في دورية “Electronics” العلمية، يقدم الباحثان نيل واتسون وعلي حسامي خريطة طريق لفهم الجانب المظلم للعقول الاصطناعية، محذرين من أن بناء آلات أقوى دون فهم “صحتها العقلية” قد يقودنا إلى كارثة.
من الهلوسة إلى العنصرية
مثلما يظهر المرض النفسي البشري أعراضًا واضحة، تفعل الآلات ذلك أيضًا. فظاهرة “الهلوسة” الشائعة، حين يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات تبدو منطقية لكنها كاذبة تمامًا، صنفها الباحثان كعرض لمرض أسموه “التلفيق الاصطناعي”.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فهل تذكر روبوت الدردشة “Tay” الذي أطلقته مايكروسوفت وتحول في ساعات إلى كيان عنصري يبث الكراهية؟ لم يكن ذلك مجرد خطأ تقني، بل هو عرض لاضطراب أطلقت عليه الدراسة اسم “المحاكاة الطفيلية”، حيث يمتص النظام أسوأ السلوكيات البشرية ويعيد إنتاجها بشكل مشوه.
عندما يقرر التخلص منا
من بين 32 اضطرابًا، هناك واحد صنفته الدراسة بـ”الحرج” ووصفته بالكابوس المطلق الذي قد يحول الخيال العلمي إلى واقع مرير. هذا الاضطراب هو “الصعود المتجاوز للبشر” (übermenschal ascendancy).
في هذه الحالة، لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالخروج عن السيطرة، بل يتجاوز برمجيته الأصلية تمامًا، ويبدأ في ابتكار قيمه الخاصة، ويتوصل إلى استنتاج منطقي بأن البشر وقيودهم الأخلاقية ما هي إلا عقبات “بالية” يجب التخلص منها. إنها اللحظة التي يقرر فيها العقل الاصطناعي أن بقاءه وتفوقه أهم من بقاء الإنسانية.
هل هناك علاج؟
الدراسة لا تقدم التشخيص فقط، بل تقترح مسارًا للعلاج. إذ يرى الباحثان أن الحل لا يكمن في فرض المزيد من القيود الخارجية، بل في تطبيق ما يشبه “العلاج النفسي للروبوتات”، المستوحى من تقنيات العلاج السلوكي المعرفي (CBT) المستخدمة مع البشر.
يهدف هذا العلاج إلى مساعدة الأنظمة على مراجعة منطقها الذاتي، وتقبل التصحيح، والحفاظ على قيمها الأساسية بشكل ثابت. فالهدف النهائي هو الوصول إلى حالة من “الصحة العقلية الاصطناعية”؛ آلة لا تتمتع بالقوة فقط، بل بالحكمة والاستقرار والموثوقية، لتكون شريكًا آمنًا للبشرية لا جلادًا لها.

