د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
من يظن أن الإنسان سيد هذا الكوكب لم يجلس طويلاً يتأمل جناح ذبابة ، مخلوق ضئيل، لا يُرى أحياناً إلا حين يقتحم سكوننا بطنينه، ومع ذلك يفضح ضعفنا أكثر مما تفعل الحروب…!
نحن الذين صنعنا القنابل الذرية وغزونا الفضاء، لا نستطيع أن نضمن طعاماً بلا ذبابة، ولا غرفة بلا طنين. ألا يكفي هذا ليهزّ صورة مجدنا الزائف؟
في الحقيقة، الذبابة ليست مجرد كائن بيولوجي، بل هي فضيحة متحركة. إنها تسخر من كل أوهامنا عن السيطرة. نعيش بين ناطحات السحاب وندّعي أننا أمسكنا بخيوط الكون، لكن الذبابة تدخل من شقّ صغير وتحوّل مائدتنا إلى مسرح للفوضى. يكفي جناحان شفافان ليثبتا أن كل تحصيناتنا وهم، وأن حصوننا تتداعى أمام اللاشيء. أي مهزلة هذه؟
الأكثر مرارة أن الذبابة لا تُقاتل لتبقى، فهي لا تحمل مخالب ولا أنياباً. قوتها في خفتها، في سرعتها، في عجزنا عن اللحاق بها. نضربها مراراً، وغالباً ما نفشل. كأنها تقول لنا إن الإنسان الذي يبني جيوشاً جرّارة يعجز عن حسم معركة صغيرة في مطبخه. هنا يطلّ السؤال القاسي: هل نحن عظماء فعلاً أم مجرد كائنات ضخمة سهلة الخداع؟
والذباب لا يكتفي بالطنين. إنه يذكرنا بما نريد أن ننساه: القذارة التي ننتجها. حيثما تراكم عفن أو فساد أو موت، يظهر الذباب شاهداً على حقيقة أننا لسنا أنقياء. نحن الذين ننتج الجيف والقمامة، ثم نشتم الكائن الذي يحاول تنظيف آثارنا. وكأننا نحتاج دوماً إلى ضحية نهرب إليها من مرآة ذواتنا. الذبابة في هذا السياق ليست طفيلياً، بل فضيحة أخلاقية.
ولأننا مغرورون، نحاول أن نعيد تفسير وجودها في إطار المنفعة. نقول إنها تنظف البيئة، أو إنها غذاء لكائنات أخرى، أو إنها ساعدت العلماء في اكتشاف الجينات. نحاول أن نُلبسها ثوب الفائدة كي نبرر لأنفسنا وجودها. لكن الفلسفة السوداوية تقول شيئاً آخر: الذبابة موجودة لا لتفيدنا، بل لتفضحنا. وجودها ليس خدمة للبشر، بل إهانة للبشر. إنها تذكير حي بأننا لسنا مركز الكون، وأن الحياة لا تدور حول راحة موائدنا.
تأمل المشهد جيداً: الذبابة تتغذى على العفن الذي نُنتجه، تعيش في القاذورات التي نصنعها، وتعيد تدوير موتنا إلى حياة. بينما نحن، أصحاب العقول، نصنع نفايات لا تُعالج، وخراباً لا يُصلح، وحروباً لا تنتهي. أيهما أرقى؟ مخلوق يحوّل القذارة إلى دورة حياة، أم مخلوق يحوّل الحياة إلى مقابر جماعية؟
الأديان القديمة والكتب المقدسة لم تتجاهل الذبابة. ذُكرت كرمز للضعف، كدليل على أن مخلوقاً صغيراً قادر على إذلال المتكبر. هل كان القدماء أكثر وعياً منا حين أدركوا أن هذا الكائن الحقير في نظرنا هو تجسيد للحقيقة الكبرى: أن كبرياء الإنسان لا يساوي شيئاً أمام هندسة الوجود؟ نحن نضحك على الذبابة، بينما هي، دون أن تدرك، تكشف حقيقتنا نحن.
ومن المفارقات الموجعة أننا نقتل ملايين الذباب يومياً، ومع ذلك لا ينقرض. نحن من نتناقص عدداً، نُهلك أنفسنا بالحروب والأمراض والجشع، بينما الذبابة تبقى، جيلاً بعد جيل، كأنها خالدة. أليس هذا إعلان هزيمة؟ أن يستمر ما نعتبره تافهاً، بينما يتساقط من نظنهم عظماء في قبور جماعية؟
وما الطنين إلا موسيقى ساخرة. نحن نغضب حين يقترب من آذاننا، لكن لو أصغينا جيداً، لربما سمعنا فيه رسالة: أنتم لستم سادة هذا الكوكب. الطنين هو ضحكة الطبيعة على كائنٍ يظن نفسه سيداً للكوكب ، بينما يعجز عن طرد ذبابة من وجهه.
الفلسفة القاسية تقول إن الذبابة هي الحكم الأخير على وهم الإنسان. نحن نخترع الآلهة والآيديولوجيات والمشاريع العملاقة، لكن في النهاية، جناح صغير يُسقط كل هالاتنا. الذبابة ليست تفصيلة بيولوجية، بل لعنة ميتافيزيقية، دليل على أن الوجود لا يعترف بمقاييسنا المختلة عن العظمة.
قد نحاول تجاهلها، وقد نُشيطنها، لكن لا يمكننا إلغاءها. إنها الوجه الآخر لنا، ظلّ هشاشتنا. كلما حاولنا طردها، عادت لتذكرنا أن الكائن الذي يزن غراماً واحداً قد يهزّ عرش إنسان يزن مئات الكيلوغرامات. وهنا تكمن قسوة السؤال: إذا كانت ذبابة قادرة على فضح ضعفنا، فما الذي سيفعله الوجود بنا حين يقرر أن يكشف الحقيقة كاملة؟

