د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
كانوا يقولون إنَّ السيوف لا تصدأ ما دام في الأمة فرسان، واليوم تبدو السيوف معلَّقة في المتاحف كتحفٍ تذكارية، بينما الفخر ينتقل في بثٍ مباشر من هاتف إلى آخر. هذا زمنٌ انقلبت فيه المعايير حتى صار الفارس الذي كان يُحيي الأمم بفعله أقل شأنًا من فتاةٍ تعرف كيف تلتقط زاوية الضوء المثالية لشفتيها…!
هذا زمنٌ لا يحتاج إلى شجاعةٍ ولا معرفة، بل إلى كاميرا عالية الدقة وجرعةٍ من الوقاحة…
أيها الفرسان، اكسروا سيوفكم… فما عادت الحروب تُخاض في الميادين، بل في خوارزميات (الترند)، وما عادت البطولة في صدّ الغزاة، بل في عدد الإعجابات والمتابعين. لم يعد العالم ينحني لمن ينقذ الأوطان من السقوط، بل لمن يُتقن عرض حذاءٍ جديد أو وجبةٍ سريعة في مطعمٍ فاخر. أصبح الزمن نفسه يسخر من تضحياتكم، وكأن دماء الشهداء لا تساوي صورة (سيلفي) واحدة تحصد بضعة آلاف من القلوب الحمراء.
هذا عصرٌ يشبه مسرحًا هزليًا: المهرجون في المقدمة، والشجعان في المقابر. أصبح الضجيج يعلو على الفكرة، والسطح يبتلع العمق، والهراء يُتداول كحقيقة. من كان يكتب التاريخ بعرقه ودمه صار يُلغى بجملةٍ سخيفة تنشرها فتاة لم تقرأ في حياتها أكثر من ثلاثة أسطر. الفارغون أصبحوا قادةَ الرأي، والأغبياء صاروا رموزًا، بينما العقلاء يُتهمون بالتعقيد لأنهم لا يجيدون الرقص في مقاطع قصيرة.
أيها الفرسان، اكسروا سيوفكم… فالخيانة لم تعد تأتي من الأعداء، بل من جمهورٍ يحتفل بتفاهته كل مساء. جيلٌ لا يعرف من التاريخ إلا فلاتر الصور، ومن المجد إلا ماركات الملابس، ومن الحرية إلا حرية اختيار (الهاشتاغ). جيلٌ لا يرى البطولة في من أنقذ وطناً، بل في من أثار الجدل بعبارةٍ تافهة. هكذا تسقط الأمم: لا حين تهزمها الجيوش، بل حين تربح التفاهةُ معركة الوعي.
في زمن الفشنستات، تتحول المعارك الكبرى إلى نكات، والمآسي إلى محتوىٍ قابلٍ للمشاركة. تُذبح الحقيقة ببطء، وتُباع الكرامة في مزادات الإعلانات. من يمتلك المال يشتري الرأي، ومن يمتلك الجمال يصنع الاتجاه، ومن يمتلك العقل… يُنفى إلى الهامش. أصبحنا في عالمٍ لا يهمه أن تُحتل القدس أو تسقط صنعاء، لكنه ينتفض إذا تعطّل حساب مؤثر على (إنستغرام).
المأساة ليست في وجود هؤلاء… بل في انحناء الملايين لهم؛ في تصفيق الجماهير للفراغ كأنه اكتشاف عظيم، وفي شعور الناس أنهم جزء من (الحدث) وهم في الحقيقة مجرد أرقامٍ في حسابات التسويق. ما يصنع قوة الفشنستات ليس ذكاؤهم ولا قيمتهم، بل ضعف المتفرجين الذين سمحوا لهم بأن يصبحوا مرجعًا لكل شيء.
أيها الفرسان… ما زالت سيوفكم قادرة على أن تلمع، لكن المعركة تغيّرت. إنها معركة الوعي لا الميدان، معركة الحقيقة ضد الصورة، ومعركة الزمن العميق ضد اللحظة التافهة. لن ينتصر الفارس بسيفه في عصرٍ لم يعد فيه دم الشهيد يهزّ الضمير؛ بل تنتصر الأمة إذا استيقظت من تخدير (المحتوى) واستعادت قدرتها على التمييز بين من يصنع القيمة ومن يتسول الانتباه.
الزمن الجديد لا يقتل الأبطال، بل يتركهم أحياءً في الظل حتى ينسى الناس وجودهم. لكنه لا يستطيع أن يقتل الحقيقة ما لم نقتلها نحن بالتجاهل. السيوف التي لم تنكسر في الحروب يمكن أن تتحول إلى أقلامٍ تكتب، إلى أفكارٍ تُشعل الوعي، إلى كلماتٍ تفضح الزيف. ما دام هناك من يرفض أن تكون الأمة جمهورًا في مسرح التفاهة، فثمة أمل أن تعود السيوف إلى أيدي أصحابها الحقيقيين.
اكسروا سيوفكم إن أردتم، أو اتركوها تصدأ إن شئتم، لكن اعلموا أن الصدأ سيأكل أرواحكم قبل أن يأكل الحديد. لأن الخسارة الحقيقية ليست أن تنتصر التفاهة، بل أن نستسلم لها بصمت؛ أن نغلق عيوننا عن سقوط القيم ونبرر ذلك بأنه (عصر جديد). ما من عصرٍ يولد فاسدًا، الفساد خيار من يرضى به.
هذا زمن الفشنستات… نعم. لكنه أيضًا زمن الانبعاث لمن يجرؤ؛ زمن السقوط لمن يصفق، وزمن النهوض لمن يصرخ في وجه القطيع: كفى عبثًا، فليُكسر ما يجب أن يُكسر، لكن لا تكسروا في أنفسكم إيمانكم بأن للأمة وجهًا آخر غير هذا الوجه الممسوخ الذي يبثّ محتواه كل ثانية.
قد تنكسر السيوف، وقد يصمت الفرسان، لكن العتمة لا تدوم. لأن الظل يعرف أن الضوء يولد من رحم الغضب، وأن الغضب الصادق هو أول خطوة في استعادة الزمن من أيدي المهرجين.

