بقلم: د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
لم تعد الأقلام رفيقة الطلبة كما كانت في السابق ، ولم تعد الدفاتر ايضا تحتل مكانها التقليدي في الحقائب الجامعية.
فمع تسارع التحول الرقمي وتغلغل الوسائل التقنية في مؤسسات التعليم، نشأ بالفعل جيل جديد من الطلبة لا يعرف الحبر إلا من خلال شاشاته ، ولا يكتب إلا بلوحة مفاتيح أو قلم إلكتروني.
أصبحنا اليوم أمام مشهد مغاير تماماً، حيث يحمل طلاب الجامعات الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، بدلاً من الأقلام والدفاتر التي كانت رمزاً للجد والاجتهاد في مراحل ماضية.
لقد أحدثت ثورة الإعلام الرقمي والاتصال المتعدد الوسائط انقلابًا جذريًا إيجابيا في أساليب التعليم والتدوين والتفاعل داخل القاعات الدراسية.
لم يعد الطالب يجلس صامتاً يدون بخطه، بل بات يتفاعل رقميًا مع المحاضرة، يسجلها بالصوت أو الصورة، أو يكتب ملاحظاته مباشرة على الحاسوب أو الجهاز اللوحي، انسجاماً مع إيقاع العصر الرقمي السريع الذي جعل الأقلام تجف والأوراق تتلاشى ، لكن شغف العلم موجود.
فهذا التحول، على الرغم من إيجابياته في التنظيم والسرعة وسهولة الحفظ، يثير تساؤلات جوهرية حول عمق الفهم وجودة التعلّم، ومدى قدرة الطالب على استيعاب المعلومة حين يُختزل كل شيء في ضغطة زر أو ملف رقمي.
ففي دراسة شهيرة أجراها Pam Mueller وDaniel Oppenheimer (2014) بجامعتي برينستون وكاليفورنيا في لوس أنجلوس، تبيّن أن الطلبة الذين دونوا ملاحظاتهم بالقلم والورقة تفوقوا في الفهم التحليلي على زملائهم الذين استخدموا الحاسوب المحمول، رغم أن الأخيرين كتبوا أكثر.
وأرجع الباحثان ذلك إلى أن التدوين اليدوي يساعد الدماغ على معالجة المعلومة بعمق، بينما يميل التدوين الإلكتروني إلى النسخ السطحي.
وفي تحليل نشرته جامعة هارفارد، أشير إلى أن الطلاب الذين يستخدمون الأجهزة الرقمية في التدوين يميلون إلى كتابة كل ما يُقال دون تفكير نقدي، مما يقلل من قدرتهم على الاستيعاب طويل الأمد.
كما كشفت دراسة من جامعة نبراسكا–لينكولن أن أكثر من 80٪ من طلاب الجامعات يرون أن استخدام الهواتف والحواسيب داخل الفصل يشتت انتباههم ويؤثر سلباً على تحصيلهم الأكاديمي.
أما في العالم العربي، فقد بدأت الأبحاث تتناول الظاهرة من منظور تربوي.
فقد توصلت دراسة للباحثة عبير حسن فريد مرسي (2024) في مصر إلى أن استخدام الملاحظات الرقمية، سواء كانت خطية أو غير خطية، لم يحدث فرقاً كبيراً في مستوى التعلم أو الاستغراق المعرفي بين المجموعتين، لكن طريقة تجهيز المعلومات كانت العامل الأهم في جودة التعلم، بصرف النظر عن الأداة المستخدمة.
كما أوضحت دراسة عربية أخرى أن الانتقال إلى التدوين الرقمي لا يحقق بالضرورة تعلماً أفضل ما لم يصاحبه وعي بأساليب المعالجة المعرفية وتنظيم المعلومة.
وفي السياق السعودي، حيث تشهد الجامعات تحولاً رقمياً متسارعاً، ظهرت دراسات ترصد هذا التحول وأثره على الطلبة.
فدراسة أجراها طلال حمد فرز الأحمدي (2024) على عينة من 1260 طالباً وطالبة في كليات التربية والآداب بالجامعات السعودية، كشفت أن موافقة الطلبة على أهمية المهارات الرقمية كانت مرتفعة، لكن مستوى امتلاكهم لها كان منخفضاً نسبياً، مما يعكس فجوة بين الإدراك والممارسة.
كما أظهرت دراسة حديثة (2025) بعنوان «دور أدوات الإعلام الحديث وأثر التحولات الرقمية في الجامعات السعودية» أن تقدير أعضاء هيئة التدريس لواقع التحول الرقمي كان مرتفعاً، لكنه لم يواكب بعد جميع الجوانب التعليمية والتربوية.
إن هذه النتائج المتنوعة تشير إلى أن ظاهرة “الطلاب بلا أقلام” ليست مجرد تحول شكلي في أدوات التدوين، بل هي تحوّل ثقافي وتربوي عميق يعيد تشكيل العلاقة بين الطالب والمعرفة.
فالقلم لم يكن مجرد وسيلة كتابة، بل كان رمزاً للتركيز والتأمل والانضباط، بينما الكتابة الرقمية – على الرغم من سهولتها – قد تخلق حالة من التشتت وسرعة الاستهلاك دون عمق فكري.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار ما أتاحته التقنيات الحديثة من فرص تعليمية غير مسبوقة: الوصول الفوري إلى المعلومة، التفاعل مع المحتوى، وتبادل المصادر بين الطلبة والأساتذة في لحظات.
وهنا تبرز مسؤولية الجامعات في تحقيق التوازن بين الحداثة الرقمية والحضور الذهني الواعي، بحيث توظف الأدوات الحديثة دون أن تفقد روح التعلم ومعناه.
ختاماً، قد تكون الأقلام جفت فعلاً، لكن أثرها التربوي لم يجف بعد. ومن الحكمة ألا ندفنها في أرشيف الذاكرة، بل نعيد اكتشاف دورها إلى جانب الوسائل الرقمية، لأن التعليم في جوهره ليس في الأداة بل في الفكر الذي يصوغها، ولا في التقنية بل في الوعي الذي يوجهها.

