د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
مخطئ من يظن أن التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط وليدة الصدفة، أو نتاج توازنات عابرة…!
التاريخ، حين يُكتب بصدق، يكشف أن لحظات التحول العميق لا تصنعها الفوضى، بل العقول التي تمتلك الرؤية، والإرادة التي تعرف متى تتحرك ومتى تصمت ،واليوم وبلا مبالغة، أصبحت الرياض مركز الثقل السياسي في الإقليم، والنقطة التي تُعاد عندها قراءة الخرائط، وتُضبط عبرها بوصلات القرار.
لم تعد السعودية مجرد دولة ذات عمق ديني او ثقل اقتصادي أو نفوذ سياسي ، بل تحولت إلى عقلٍ استراتيجي يدير المشهد الإقليمي بعقل الدولة لا بانفعالات اللحظة. فمن يراقب المشهد بدقة يلاحظ أن مفاتيح التهدئة، وإعادة التموضع، وبناء التوازنات الجديدة، تمر من الرياض قبل أي عاصمة أخرى. وهذا لم يأتِ من فراغ، بل من مشروع طويل النفس، قائم على إدراك عميق لمعادلات القوة، وعلى إيمان راسخ بأن الاستقرار هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية.
السوريون، رغم الجراح العميقة، بدأوا يدركون أن بوابة العودة إلى الدولة لا تُفتح بالشعارات ولا بالارتهان، بل بالانخراط في منطق الدولة الإقليمية الجديدة التي تقودها الرياض بعقل بارد وقلب مفتوح. فالسعودية لم تتعامل مع الملف السوري بمنطق المنتصر أو المهزوم، بل بمنطق إعادة التوازن، وحماية ما تبقى من الدولة، وإعادة سوريا إلى عمقها العربي بعيدًا عن مشاريع التفكيك والوصاية.
وفي السودان، حيث تكسرت الدولة على صخور الصراع الداخلي، برز الدور السعودي بوصفه عامل اتزان لا طرفاً في الصراع. الرياض لم تستثمر في الفوضى، بل سعت إلى إيقافها، ولم تزايد على الدم، بل حاولت إيقاف نزيفه. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول جدة إلى منصة سياسية تبحث عن الحل لا عن المكاسب، وعن الدولة لا عن المليشيات.
أما اليمن، الجرح المفتوح في الجسد العربي، فقد أدرك كثير من أبنائه أن الطريق إلى الخلاص لا يمر عبر الشعارات ولا عبر السلاح المنفلت، بل عبر مشروع دولة ترعاه قوة عربية قادرة على الجمع لا التفريق. والسعودية أثبتت أنها الأكثر حرصاً على يمن مستقر، لا تابع ولا ساحة صراع، بل دولة حقيقية تعود إلى محيطها الطبيعي.
وفي لبنان، حيث تاهت الدولة بين المحاور، بات واضحاً أن أي أفق للإنقاذ لا يمكن أن يُرسم بعيدًا عن المظلة العربية التي تمثلها الرياض. فالسعودية لا تبحث عن الهيمنة، بل عن التوازن، ولا تسعى إلى فرض نماذج، بل إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة التي تحمي شعبها لا تختطفه.
اللافت أن هذا الدور السعودي لم يُفرض بالقوة، بل فُرض بالثقة. لم يُفرض بالضجيج الإعلامي، بل بهدوء الفعل ووضوح الرؤية. إنها سياسة لا تستعرض قوتها، لكنها تُشعر الجميع بثقلها. سياسة لا تُراكم الأعداء، بل تُربك الخصوم بحكمتها.
ولعل ما يميّز اللحظة الراهنة أن الرياض لم تعد تتحرك بردّ الفعل، بل بصناعة الفعل. لم تعد تنتظر الأحداث، بل تصنع سياقها. وهذا ما جعلها اليوم مرجعية سياسية وأخلاقية في آن واحد، ليس فقط للخليج، بل للمنطقة بأسرها.
من هنا، فإن من لا يرى أن مفاتيح السياسة الإقليمية باتت في الرياض، إما أنه يقرأ المشهد بعيون الماضي، أو أنه يرفض الاعتراف بحقائق الحاضر. فالعالم يتغير، ومراكز الثقل تعاد صياغتها، والسعودية تمضي بثبات لتكون قلب هذا التحول.
ليس ادعاءً ولا مبالغة، بل قراءة واقعية لمسارٍ تشكّل بصمت، حتى صار اليوم حقيقة لا يمكن تجاوزها: من أراد الاستقرار، فطريقه يمر بالرياض، ومن أراد الفوضى، فسيجد نفسه خارج الزمن.

