سلمان الشريدة
في قراءة متأنية لسلوك إيران خلال التصعيد الأخير، يبرز سؤال جوهري: لماذا توجه طهران آلاف الضربات نحو دول الخليج، بينما تحافظ على ردود محسوبة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل؟ الأرقام وحدها كفيلة بكشف التناقض؛ فوفق المعطيات المتداولة، بلغ عدد الاستهدافات الإيرانية أو عبر أذرعها نحو دول الخليج قرابة 5000 عملية، مقابل نحو 800 عملية فقط باتجاه إسرائيل، في حين بقيت البارجات الأمريكية في نطاق “الردود الرمزية” أو التهديدات الإعلامية.
هذا التباين ليس عشوائياً، بل يعكس عقيدة استراتيجية إيرانية تقوم على “إدارة المخاطر”، وهي عقيدة تشكلت منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حيث نص الدستور الإيراني صراحة على مبدأ “تصدير الثورة”.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت طهران سياسة العمل عبر الوكلاء وتجنب المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى، وهو ما ظهر جلياً في حربها مع العراق (1980–1988)، ثم في مراحل لاحقة عبر دعم المليشيات في الدول العربية.
لكن الأخطر هو توجيه هذا السلوك نحو دول الخليج، رغم أنها لم تكن طرفاً في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. بل إن دول الخليج أعلنت رسمياً عدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها لأي عمليات عسكرية ضد إيران، وهو موقف سيادي واضح. بل إن حادثة إسقاط طائرات أمريكية في الأجواء الكويتية “نتيجة غياب التنسيق” تؤكد أن هذه الدول تمسكت بسيادتها ولم تنخرط في أي عمل عدائي.
في المقابل، تستهدف إيران أو “أذرعها” مطارات مدنية، منشآت نفطية، شبكات اتصالات، وأحياء سكنية، وهي أهداف لا يمكن تصنيفها عسكرياً، مما يسقط الرواية الإيرانية التي تزعم استهداف “قواعد أمريكية”. هذا النمط، يؤكد أن الاستهداف يركز على الاقتصاد والاستقرار لا على الرد العسكري المباشر.
المفارقة الأكبر تكمن في بعض الأصوات العربية التي تبرر هذا السلوك تحت شعار “عدم الاصطفاف مع إسرائيل”. هذا الطرح يمثل خلطاً خطيراً للمفاهيم؛ فالعداء لإسرائيل لا يمنح شرعية لأي اعتداء على دول عربية مسلمة لم تبادر بالعدوان.
إيران نفسها، التي ترفع شعار “نصرة فلسطين”، لديها سجل معقد من العلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك صفقات سلاح خلال ثمانينات القرن الماضي، في وقت كانت فيه تعلن العداء سياسياً. وفي الوقت ذاته، كانت تتباهى بالسيطرة على أربع عواصم عربية (بيروت، دمشق، بغداد، صنعاء)، تحت غطاء “المقاومة”، بينما كانت النتيجة إضعاف هذه الدول واستنزاف شعوبها.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن استهداف الخليج ليس رد فعل، بل جزء من مشروع طويل الأمد لإضعاف نموذج الاستقرار والتنمية الذي تمثله دوله. ففي وقت تسعى فيه السعودية إلى تحويل المنطقة إلى “أوروبا جديدة” عبر مشاريع التنمية والانفتاح، هناك من يدفع نحو الفوضى والصراع.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: كيف تحولت بعض الأصوات العربية من الدفاع عن قضايا الأمة، إلى تبرير استهداف دولها وشعوبها؟ الإجابة تكمن في غياب الوعي، أو الارتهان لمشاريع خارجية، وهو ما يجعل المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي وهوية ومصير.

