يوفر العمل عن بعد للشباب مرونة واستقلالية ويومًا خاليًا من عناء التنقل، لكن الأبحاث تكشف أن التخلي عن الحضور المكتبي قد يترك تأثيرات سلبية وعميقة على الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية.
يشير تقرير صدر هذا الشهر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أن نمط العمل عن بعد يُعد السبب الرئيسي المرجح لارتفاع معدلات البطالة بين فئة الشباب.
وفي ورقة بحثية مُحدثة هذا الشهر، خلص المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى أن غياب التواجد الميداني يصعب على العمال الأصغر سنًا تلقي التقييمات والتقدم في وظائفهم.
تجلت هذه النتيجة في دراسة نُشرت أوليًا عام 2023، حيث تبين أن مهندسي البرمجيات الذين جلسوا بالقرب من زملائهم في الفريق حصلوا على تقييمات أكثر بنسبة تقارب 18%، وشهدوا تحسنًا ملحوظًا في جودة التعليمات البرمجية التي يكتبونها، وتمركزت هذه المكاسب بشكل خاص بين الموظفين الأصغر سنًا والأقل خبرة.
التعلم بالمراقبة الصامتة
لتفسير هذه الفجوة، توضح ميغان هيليرير، المدربة التنفيذية ومؤلفة كتاب «العيش الموجَّه»، أن قدرًا كبيرًا من التعلم في بداية المسيرة المهنية يتحقق عبر المراقبة والتناضح.
ويشمل ذلك مراقبة كيفية إدارة الزملاء للاجتماعات، وتجاوزهم للصراعات، وبناء العلاقات، واتخاذ القرارات المهمة، وهي لحظات جوهرية يصعب تكرارها عبر منصات التواصل الافتراضية مثل «سلاك» أو «زوم».
ويتفق أستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، جوزيف فولر، مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن فوائد العمل عن بعد تبدو بديهية للجميع، لكن مخاطره خفية ومؤثرة في الوقت ذاته.
يؤكد فولر أن التواجد في المكتب لبضعة أيام أسبوعيًا يُعد الطريقة المثلى لتطوير مهارات التواصل الشفهي والعرض التقديمي، وصقل القدرة على التفاوض وحل النزاعات، وهي مهارات حاسمة للترقي الوظيفي.
ويتساءل فولر عن كيفية تقييم المشرف للمهارات الاجتماعية عبر شاشة الحاسوب، مؤكدًا أن هذا التقييم يتطلب المراقبة المباشرة.
التضحية بالراتب للنمو
وينصح أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد، نيكولاس بلوم، طلابه بالذهاب إلى المكتب ثلاثة أيام على الأقل أسبوعيًا خلال السنوات الخمس الأولى من مسيرتهم المهنية.
ويرى بلوم ضرورة تجنب العمل عن بعد بالكامل في البدايات، لأن ذلك يحرم الشاب من الإرشاد الوظيفي والعلاقات القوية والتعلم عبر المراقبة الهادئة لسلوكيات العمل وأنظمة الحضور والانصراف والبرمجيات المستخدمة.
ويذهب الخبير المالي دوغلاس بونبارث إلى أبعد من ذلك، مقترحًا على العمال الشباب قبول وظيفة هجينة براتب أقل بدلًا من وظيفة عن بعد براتب أعلى، إذا كانت الوظيفة الهجينة تضعهم بجوار أشخاص يسهمون في تطويرهم وجعلهم أكثر ذكاءً.
ويوضح بونبارث أن الترقيات والزيادات السريعة ستتجاوز فارق الراتب المبدئي خلال سنوات قليلة، مؤكدًا أن أولوية الشاب يجب أن تكون الوصول إلى أشخاص متميزين للعمل معهم، حيث تتفوق الوظيفة عن بعد مع مدير رائع على التواجد في مكتب متوسط المستوى.
استراتيجيات التألق التعويضي
ورغم هذه التحذيرات، يظل العمل عن بعد خيارًا مفضلًا أو ضروريًا للبعض، خاصة لمن يواجهون قيودًا تتعلق بالرعاية أو الإعاقة، حيث يُعد هذا النمط أفضل لمسيرتهم من عدم العمل إطلاقًا، وفقًا لبلوم.
ولمواجهة السلبيات المحتملة للغياب الفعلي، تقترح هيليرير على عملائها ممارسة استراتيجية «التألق المفرط».
وتتمثل هذه الخطوة في إرسال ملخصات أسبوعية منظمة للإنجازات والتقدم المنجز مباشرة إلى المدير، مما يجعل تجاهل إنتاجية الموظف أمرًا مستحيلًا.
وتوصي هيليرير الموظفين عن بعد بجدولة لقاءات افتراضية قصيرة لتبادل الأحاديث مع القادة والزملاء لتعويض غياب التفاعلات العفوية المعتادة في أروقة المكاتب.
كما تقترح ترتيب زيارات شهرية أو ربع سنوية للمقر الفعلي للشركة، وتخصيصها بالكامل لبناء شبكة العلاقات والترابط الاجتماعي، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون الاختيار بين المرونة والتطور، بل التفكير بوعي لتحقيق الاثنين معًا.

