بندر السليس
في السنوات الأخيرة، برز مصطلح «صحافة الأفراد» بقوة، مدفوعًا بالانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول إلى الجمهور دون وسيط، ومع هذا الانتشار تصاعد خطاب يروّج لفكرة أن صحافة الأفراد أصبحت البديل الأفضل لصحافة المؤسسات، بل ويتفوق عليها من حيث السرعة والجرأة والاستقلالية.
غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من وجاهة جزئية، يحتاج إلى مراجعة نقدية هادئة تضع المعايير المهنية في مقدمة النقاش، لا الشعارات الجذابة.
صحافة المؤسسات الرسمية والعريقة تميزت عبر عقود بالرصانة والموثوقية، نتيجة تراكم الخبرة ووجود منظومات تحريرية واضحة، تشمل التحقق من المصادر، والتدقيق اللغوي، والمراجعة القانونية، والالتزام بأخلاقيات النشر.
هذه المنظومة لا تهدف إلى تقييد حرية النشر كما يُشاع أحيانًا، وإنما إلى حماية المعلومة من التسرع، وحماية الجمهور من التضليل، وحماية المؤسسة نفسها من الوقوع في أخطاء قد تضر بالمصداقية العامة.
في المقابل، ظهرت صحافة الأفراد بوصفها مساحة أوسع للتعبير الشخصي، وقدمت نماذج ناجحة استطاعت الوصول إلى الجمهور بسرعة لافتة، وأحيانًا سبقت المؤسسات في نقل بعض الأحداث.
لكن هذه المساحة المفتوحة، في كثير من الأحيان، افتقرت إلى الضوابط المهنية التي تضمن جودة المحتوى ودقته، فسهولة النشر لا تعني بالضرورة صحة ما يُنشر، والانتشار الواسع لا يساوي الموثوقية.
لا يتعلق الأمر برفض صحافة الأفراد جملةً وتفصيلًا، فوجودها أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، فضلًا عن إسهامها في توسيع دائرة النقاش العام وكسر احتكار المعلومة في بعض المجالات. لكن الإشكالية تكمن في تقديمها بوصفها البديل الأفضل دون الالتفات إلى ما ينقصها من معايير مهنية، مثل التحقق من المصادر، والتوازن في الطرح، والشفافية في الإعلان عن المحتوى الممول، والالتزام بميثاق أخلاقي واضح.
من جهة أخرى، تواجه صحافة المؤسسات تحديات حقيقية في عصر السرعة الرقمية، أبرزها ضرورة مواكبة التحولات التقنية، والتفاعل السريع مع الجمهور، وتقديم محتوى جذاب دون التفريط في المعايير المهنية، فالمؤسسات التي تتمسك بالجمود وتغفل لغة العصر قد تفسح المجال لغيرها، لكن المؤسسات التي توازن بين المهنية والتجديد تبقى الأكثر قدرة على الاستمرار وبناء الثقة طويلة الأمد.
إن الثقة في الإعلام لا تُبنى على عدد المتابعين، ولا على سرعة النشر، وإنما على مصداقية المعلومة والأثر واستمرارية الالتزام بالمعايير. ولهذا، فإن المقارنة بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات يجب ألا تكون مقارنة شكلية بين «حرية» و«قيود»، وإنما مقارنة موضوعية بين «مسؤولية» و«عشوائية»، وبين «مهنية» و«اجتهاد فردي» قد ينجح أحيانًا ويخفق كثيرًا.
في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن الإعلام الذي يربح ثقة الجمهور لا يفعل ذلك بفضل فرد واحد، بل بفضل منظومة متكاملة من المعايير المهنية والرقابية. وبينما قد تلمع بعض أسماء الأفراد لفترة، تظل المؤسسات الرصينة حين تحافظ على مهنيتها أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات الزمن، لأنها لا تعتمد على شخص، بل على منهج.

