بدأت دول حلف شمال الأطلسي “ناتو” مناقشات مكثّفة بشأن مكان الردع النووي في بيئةٍ من التنافُس والمواجهة مع روسيا، ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، كان الكرملين يُلوّح بانتظام بالتهديد النووي، الأمر الذي اضطر الغربيين إلى إعادة النظر في العقيدة الموروثة من الحرب الباردة.
عاد القلق، الذي أجّجه الكرملين عن عمد، إلى الظهور في الغرب نتيجة لتصعيد خارج عن السيطرة، كما تأخذ الجيوش الأوروبية هذا الخطاب على محمل الجد، حتى لو كانت تُراهن دائما على عقلانية الخصم.
ظلّ فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، طيلة عامين يكرّر التهديد بالأسلحة النووية، لزرع الشك في الغرب وتذكير العالم بمكانة روسيا، باعتبارها قوة موهوبة.
وفي أحدث طلقة تحذيرية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية الأسبوع الماضي، إجراء مناورات في المنطقة العسكرية الجنوبية وكذلك في بيلاروسيا، بالقرب من أوكرانيا، تتضمن تدريبات باستخدام أسلحة نووية غير استراتيجية، وقد أضفت موسكو الشرعية على هذا الإعلان بخطابات “تهديد” من الغرب.
3 أسباب وراء التصعيد الأوروبي
يرى الدكتور هاني سليمان، الباحث في العلاقات الدولية، أنّ “الحرب الروسية الأوكرانية اتخذت أبعادا مختلفة خلال الآونة الأخيرة، وتطوّرات متلاحقة، وآخرها رغبة دول أوروبا تغيير استراتيجية الردع النووي، خاصةً على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قابله تحرّك روسي لإجراء مناورات نووية خلال مايو الجاري”.
ويقول هاني سليمان، في حديث خاص لـ”الوئام”، إنّ “التطوّر والتصعيد في التصريحات بين روسيا وأوروبا يؤدّيان إلى تعقيد المشهد وتأزم العلاقات”، موضّحا أنّ “ما يحدث يُبعدنا عن الحل السياسي وتصفية الأزمة”.

ويضيف الباحث في العلاقات الدولية أنّ “وراء التصعيد الأوروبي 3 أسباب؛ الأوّل هو استعداد بعض الدول، مثل بريطانيا وفرنسا وليتوانيا، لإرسال قوات إلى أوكرانيا، وهذا مِن شأنه تصعيد الأمور مع موسكو، والسبب الثاني هو دخول مقاتلات ‘إف 16’، إلى ميدان المعركة، ما يخلق ميزة وتفوّقا للقوات الأوكرانية، وهذا بمثابة مواجهة أمريكية روسية في أوكرانيا”.
واشنطن ورَّطت القارة العجوز
ويتابع سليمان: “السبب الثالث إعلان الدول الأوروبية باستمرار، وبالأخص بريطانيا وفرنسا، عن استراتيجية الردع النووي في مواجهة روسيا، وهذا يقودنا إلى ربما زيادة الإنفاق العسكري وبالذات النووي”.
ويستطرد سليمان: “الأمر الأكثر خطورة هو ردة الفعل الروسية؛ لأن موسكو ليس لديها ما تخسره، وتُدافع باستماتة عن خطوطها الحمراء وأمنها القومي، وروسيا تستعدّ للسيناريو النووي، بنقل أسلحة ذرية إلى بيلاروسيا في مايو 2023”.
ويشير الباحث السياسي إلى أن “استقرار القارة الأوروبية بات على المحك، والسيناريوهات كلها مطروحة، وتلاشَت فكرة الأمان للدول الأوروبية والعزلة عن مشاكل دول العالم الثالث، كما أن الولايات المتحدة ورَّطت القارة العجوز مع الجانب الروسي، وكان من الممكن التعامل بشكل أفضل”.

