فيصل الحمد
خبير استراتيجي وعسكري
شهد ميناء رجائي في مدينة بندر عباس على الساحل الشرقي للخليج العربي يوم السبت الماضي انفجارًا ضخمًا تبعه حريق في ثلاثة مواقع، أسفر عن مقتل أربعين شخصاً على الأقل وإصابة قرابة ألف شخص.
وقع الحادث في وقت حساس ومهم حيث تعقد الجولة الثالثة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، مما أضفى على الحادث بعداً سياسياً وأمنياً.
حسب مصدر مقرب من الحرس الثوري الإيراني تحدث إلى صحيفة نيويورك تايمز، فإن الانفجار يعتقد أنه ناجم عن اشتعال مادة بيركلورات الصوديوم (sodium perchlorate) وهي مكون أساسي في تصنيع الوقود الصلب للصواريخ.
هذه المادة وصلت حديثاً إلى الميناء عبر شحنات قادمة من الصين ضمن عملية توريد أشار إليها تقرير أمريكي أكد أن شركات صينية بدأت بتزويد إيران بمواد تستخدم في برامج الصواريخ الباليستية المتوسطة وبعيدة المدى.
غير أن الدخان المنبعث، الذي ظهر بلون برتقالي مائل للبني، طرح تساؤلات حول تفسير الحادث. فمادة بيركلورات الصوديوم تنتج دخاناً أبيض رمادي اللون عند احتراقها، بينما اللون الذي شوهد في الميناء يرتبط عادة باحتراق رباعي أكسيد النيتروجين (nitrogen tetroxide) وهو وقود سائل غير مبرد للصواريخ.
هذا التناقض يعزز فرضية أن الانفجار لم يقتصر على مادة واحدة، بل نتج عن تفاعل مجموعة من المواد شديدة الانفجار، بعضها صلب وبعضها سائل، ما يفسر قوة الحريق وسرعة انتشاره.
ما يزيد من خطورة الحادث أن المواد المنفجرة كانت مخزنة في قسم خاص بالحرس الثوري داخل الميناء حسب بعض المصادر، وهي منطقة محاطة عادة بإجراءات أمنية مشددة وتستخدم لتخزين مواد متعلقة بالبرامج العسكرية والصاروخية الإيرانية.
وقوع الانفجار في هذا القسم بالتحديد وفي هذا التوقيت الدقيق، جعل من الصعب التعامل معه كحادث عرضي وأثار فرضيات متعددة حول دوافعه.
إحدى الفرضيات المطروحة ترى أن الانفجار قد يكون ناتجًا عن عملية تخريب داخلي من قبل أطراف إيرانية تعارض مسار التفاوض مع الولايات المتحدة.
هذا الاحتمال يكتسب قوة بسبب توقيت الحادث ووجود سوابق لذلك، مثل اقتحام السفارة السعودية في طهران عام 2016 خلال محاولات تقارب مع دول الخليج، وتفجير منشأة نطنز النووية عام 2020 خلال محادثات فيينا.
مثل هذه العمليات تهدف إلى إفشال مسارات التفاوض من خلال خلق أزمات أمنية، ما يجعل فرضية التخريب الداخلي عالي الاحتمال.
في المقابل، هناك من يرجح أن يكون الانفجار نتيجة هجوم خارجي موجّه، خاصة مع تكرار العمليات التخريبية الدقيقة ضد منشآت حساسة في إيران في السنوات الماضية، مثل الهجمات الإلكترونية والتفجيرات الغامضة التي استهدفت منشآت البرنامج النووي والصناعات الدفاعية الإيرانية ومقتل خبراء الطاقة النووية الايرانيين، والتي عادةً ما تنتهي باتهام إسرائيل أو السكوت عنها.
طبيعة الانفجار وحجمه يدعمان احتمال تنفيذ عملية محسوبة بدقة، هدفها إرسال رسالة مباشرة إلى طهران بأن قدراتها الصاروخية والعسكرية تحت المراقبة ويمكن استهدافها في أي وقت، لا سيما أثناء التفاوض حول البرنامج النووي.
غير أن هذا الاحتمال، رغم واقعيته، يظل بحاجة إلى دلائل قويه، خصوصًا مع غياب أي إعلان أو تلميح من جهات خارجية.
تبقى الفرضية الثالثة، وهي أن الحادث وقع بسبب خطأ عرضي أو إهمال في تخزين المواد شديدة الانفجار.
ميناء بندر عباس وجميع الموانئ الإيرانية تعاني من ضعف في البنية التحتية. لذلك لا يمكن إغفال احتمال أن يكون انفجار المواد نتيجة احتكاك عرضي أو ارتفاع حرارة التخزين دون اتخاذ احتياطات كافية.
ومع ذلك، فإن توقيت الحادث وشدته وحجم الدمار الناتج عنه، في ظل السياق السياسي الحساس، تجعل من سيناريو الحادث العرضي أقل ترجيحًا مقارنة بالسيناريوين الآخرين، خصوصاً بعد تصريح النائب الإيراني محمد سراج بضلوع إسرائيل في تفجير الميناء.
بناءً على المعلومات المتوفرة، يظل سيناريو التخريب الداخلي الأكثر احتمالاً، مع احتمال وقوف جهة خارجية وراء الحادث، مع انخفاض احتمالية الحادث عرضي.
تؤكد الحادثة مرة أخرى هشاشة البنية الأمنية والعسكرية للمنشآت الإيرانية، كما تسلط الضوء على حجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه طهران وسط محاولاتها مواصلة التفاوض مع الغرب.

