عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في بيئة العمل، هناك أشياء كثيرة تُقال.. سياسات تُكتب، أنظمة تُشرح، ولوائح تُعلّق على الجدران. لكن الحقيقة؟ ما يُقال ليس دائمًا ما يُعاش. فبعض البيئات تتحدث بصمت. تبوح بأسرارها دون كلمات. تُفصح عن طبيعتها من خلال الإشارات الصغيرة، والتفاصيل اليومية العابرة التي قد تمر أمام أعيننا دون أن ننتبه لها.. لكنها في جوهرها تحمل الإجابة عن سؤال كبير: هل هذه بيئة تستحق أن أبذل من أجلها؟ هل أستطيع أن أكون على طبيعتي هنا؟
أتذكر أول أسبوع لي في جهة جديدة. لم أكن مشغولًا بالسؤال عن سلم الرواتب أو مزايا التأمين أو حتى عن المهام والمسؤوليات. كان هناك شيء واحد فقط يدور في ذهني.. أين يلتقي الزملاء بعد الصلاة؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، بل ربما يبدو للبعض غير مهم أو خارج نطاق “الاحترافية”، لكنه بالنسبة لي كان المفتاح لفهم طبيعة هذا المكان. المكان الذي يجتمع فيه الناس دون جدول، ويتحدثون دون حذر، ويضحكون بلا تكلف، هو المكان الذي تخرج فيه القيم الحقيقية من الظل إلى النور. حيث تنكشف ثقافة العمل لا عبر الشعارات، بل عبر الحضور الإنساني.
الحديث عن الرواتب سهل، والافتخار بالأنظمة سهل، لكن التحدي الحقيقي هو أن تشعر أن وجودك مرحب به، وأنك حين تخطئ ستجد من يصوّب لا من يعنّف، وأنك حين تصمت لن تُتهم باللامبالاة، وحين تبادر لن تُقابل بالريبة. هناك فرق شاسع بين جهة تُجبرك على الالتزام وجهة تُلهمك للانتماء.
ومن التجارب التي علّمتني قراءة بيئة العمل بعيون مختلفة، أنني بدأت ألاحظ إشارات لا تُكتب في الكتيبات الإدارية، لكنها تقول الكثير. مثلًا، حين تمر على مكان القهوة.. هل هو مكان هامشي مهجور؟ أم أنه نابض بالحياة، يقف فيه الموظفون لثوانٍ أو دقائق يتبادلون الحديث، يفتحون الأبواب لبعضهم البعض، ويضحكون على نكتة عابرة؟ مكان القهوة – رغم بساطته – هو مرآة صادقة لطبيعة العلاقات في المؤسسة: هل يسودها الجفاف أم الدفء؟ هل الناس هنا مجرّد زملاء عمل أم بشر يجمعهم رابط أعمق؟
بل إن نبرة الحديث عند حدوث خطأ تكشف الكثير. ليست القضية في وجود الخطأ من عدمه – فالخطأ حاصل لا محالة – بل في كيفيّة التعامل معه. بيئة العمل التي تواجه الخطأ بالتأنيب والسخرية تزرع الخوف وتقتل الإبداع، أما تلك التي تُقابل الخطأ بالتفهّم والتصحيح، فإنها تفتح الباب للنمو والتطور. الطريقة التي نتحدث بها مع من أخطأ ليست مجرد سلوك.. إنها تعبير صريح عن الفلسفة التي تُدار بها المنظمة.
وإن كان بالإمكان أن نقرأ المزاج العام للمكان من وجوه الموظفين، فالمصعد قد يكون أكثر الأماكن صدقًا. ففي لحظة الصعود أو الهبوط، تسقط الأقنعة، وتبقى الملامح على سجيتها. الوجه المكفهر، العين المتعبة، الصمت الثقيل.. كلها إشارات لا تخطئ. بيئة العمل الجيدة تترك أثرًا على الملامح. لا يُمكن للإنسان أن يبتسم إن كان يشعر بالاختناق، ولا أن يتبادل التحية بصدق إن كان قلبه مثقلًا بالحذر.
المثير في الأمر أن هذه الإشارات لا تأتيك مجتمعة في يوم واحد، بل تكتشفها شيئًا فشيئًا. في أوقات الاستراحة. في لحظات الخروج من العمل. في طريقة ذكر المدير في الأحاديث الجانبية: هل يُذكر اسمه بنبرة ارتباك وخوف؟ أم يُذكر كقائد يثق بفريقه، ولا يحتاج إلى أن يُستأذن على كل تفصيل؟ الأماكن التي تدار بثقة تمنحك حرية القرار، وتسمح لك بأن تخطئ وتتعلّم، وتدفعك لأن تكون أفضل نسخة من نفسك دون أن تخشى أن تُقصى أو تُساء الظن بك.
في النهاية، لا تُقاس بيئة العمل فقط بلغة الأرقام، ولا تُحكم عليها من تصميم المكاتب، أو من البيان الترحيبي في أول يوم. بيئة العمل الحقيقية تُقاس بشيء أعمق: هل تشعر أنك آمن؟ هل تشعر أنك مرئي؟ هل تستطيع أن تتصرف على سجيتك دون أن تُحاسب على طبعك؟ إذا كان الجواب نعم.. فهذه ليست وظيفة فقط، بل فرصة حياة.
وربما في يومٍ ما، تدخل مكانًا وتشعر بالراحة منذ اللحظة الأولى.. دون أن تعرف السبب. لا تستهِن بهذا الشعور. فجسدك – بعفويته – سبق عقلك في قراءة الإشارات الخفية. هو يعرف أن هذه البيئة تسمح لك أن تكون “أنت”.. وهذا، والله، هو المعيار الأصدق لأي مكان يستحق التعب.

