منار بنت سالم العنبر
باحثة دكتوراه في علم اجتماع الجريمة بجامعة الملك سعود
السفر ليس عبورَ مكان فقط، بل عبورُ ثقافةٍ وقانونٍ وسياق.
وما يبدو طبيعيًا هنا، قد يُساء فهمه هناك.
ولهذا، حين نكون في أرضٍ لا تشبهنا، فإن الوعي لا يكون رفاهية، بل ضرورة تحفظك قبل أن تبرر لك.
وحين لا ننتبه لاختلاف اللغة الخفيّة للقوانين والثقافات… قد تبدأ القصة من مشهدٍ يبدو عاديًا تماماً:
شخصٌ يمشي كما لو أنه يعرف المكان.
كان يمشي بثقة على الرصيف، حقيبته على كتفه، وسماعاته في أذنيه، وخطواته منتظمة.
لم يكن يتلفّت، ولم يكن خائفًا.
الغريب الوحيد… أنه لم يكن يشعر أنه “غريب”.
في مدن بعيدة، حيث لا يعرفك كثيرون، قد تبدو الحياة سهلة… لكنها لا تُعطي إشارات تحذيرية.
لا أحد يقول لك: “توقّف، لا تمشِ وحدك بعد منتصف الليل”.
لا أحد يهمس في أذنك: “أخفِ ساعتك، خفّف من لمعانك… لا تكن لافتًا”.
ولا أحد يمنحك عذرًا لأنك ظننت أن ما هو عاديّ في بلدك، سيكون كذلك هنا.
وذات مساء، لم يعد إلى غرفته.
لا لأن الطريق كان طويلاً، بل لأنه مرّ في وقتٍ خاطئ، ومكان خاطئ، وهو يرتدي ما يُعتبر “الكثير”.
لم يكن يعرفه أحد في تلك اللحظة.
فحين تحدث الكارثة، لا تُسأل النوايا أولًا، بل تُكتب التقارير.
في مشهد آخر، أُسيء فهم أحدهم… لا لأنه تكلّم كثيرًا، بل لأنه تصرف بعادة مألوفة في بيئة جديدة.
كان يظن أن تصرفه الأبوي لا يثير الريبة، وأن ما يفعله بدافع الرعاية، يُقرأ كذلك.
لكنه نسي أن النوايا هناك لا تُترجم، بل تُحاكم ضمن سياقات لا تشبهنا.
وهناك من حاول الدفاع عن نفسه.
أراد أن يسترجع شيئًا سُرق منه، فمدّ يده…
لكنّه لم يدرك أن بعض ردود الفعل التي نراها بديهية، قد تُؤخذ هناك على غير ما نُريد.
فالقانون لا يُراعي لحظة الانفعال، بل يحاسب وفق ما كُتب لا ما قُصد.
كل الغربة تقول لنا شيئًا واحدًا:
لا تمشِ كما لو أنك تعرف المكان.
وإن عرفتَه، لا تنسَ أنك لا تعرف قوانينه.
وإن كنت على حق، لا تنسَ أن للحق لغة أخرى خارج وطنك.
في الخارج، لا تُقاس القوة بالصوت، ولا يُفهم الدفاع دائمًا كما نراه نحن.
في بعض اللحظات، الصمت لا يحمي، والرد لا يُبرّر.
هناك، حتى الطريقة التي تحمي بها نفسك، يجب أن تمر عبر وعي القانون، لا غريزة الجسد.
الغربة لا تخيف… لكن الجهل يخيف.
والكرامة لا تُنتزع هناك، بل تُحمى هنا… في الداخل، في الوعي، في الانتباه.
لأنك إن لم تكن “غريبًا بما يكفي”، ستدفع ثمن أنك ظننت أنك لست غريبًا.

