بندر بن عبدالله بن محمد
مقدمة
حين نتأمل في كتاب الله، نجد أن القرآن يفرّق بدقة بين لفظين كثيرًا ما نعدّهما مترادفين: البشر والإنسان. غير أن التدبر يكشف أن وراء هذا الاختلاف حكمة بالغة، وأن كل لفظ يستدعي معنى خاصًا لا يغني عنه الآخر.
فالبشر ليس هو الإنسان تمامًا، وإن كان الإنسان بشرًا. والبشرية شيء، والإنسانية شيء آخر. هذه الفوارق ليست لغوية فحسب، بل هي مفاتيح لفهم طبيعة هذا الكائن ومقامه بين المخلوقات.
البشر في القرآن: وصف المظهر
جاء لفظ البشر في القرآن في مواضع ترتبط بالجانب الجسدي الظاهر:
• في مقام الاعتراض: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 94].
• وفي وصف الرسل: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10].
• وفي حوار مريم عليها السلام: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: 20].
• وكذلك في قصتها نفسها حين أرسل الله إليها روحًا من عنده: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17].
فهنا نرى أن المرسول من عند الله تمثّل في صورة بشر، أي في هيئة جسدية سوية، لكن لم يُطلق عليه “إنسانًا” لأنه غير مكلَّف كتكليف الإنسان. فالإنسان مقام مخصوص بمن نُفخت فيه الروح وحُمّل الأمانة.
إذن، لفظ “البشر” في القرآن يشير إلى القالب المادي الظاهر، إلى الصورة الجسدية التي يشترك فيها جميع الناس، بل ويمكن أن يتمثل فيها غيرهم كما في قصة مريم.
الإنسان في القرآن: جوهر التكليف
أما لفظ الإنسان فقد ارتبط دومًا في القرآن بالخطاب والتكليف والابتلاء:
• ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6].
• ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
• ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].
لم يقل القرآن أبدًا: يا أيها البشر، لأن الخطاب ليس موجَّهًا للجسد، بل للكيان العاقل المكلَّف، للروح والعقل والضمير. فالإنسان هو بشر زيدت عليه الروح، فصار موضعًا للأمانة ومسؤولية الاختيار.
من البشر إلى الإنسان: النفخة والذروة
آدم عليه السلام كان المثال الأول لهذا الانتقال:
• جسد من طين: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71].
• ثم نفخة الروح: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 72].
وكلمة نفخ في لسان العرب لا تعني مجرد دفع الهواء، بل تعني بلوغ الشيء ذروته واكتماله. فيقال: انتفخ النهار إذا بلغت الشمس كبد السماء، أي حين يكتمل إشراقها وضياؤها. وهكذا كانت نفخة الروح ذروة اكتمال خلق آدم، حيث اكتمل الجسد والنفس، ثم جاء أمر الله الأعلى الذي جعله إنسانًا عاقلًا مكلَّفًا.
فالروح ليست مادة تُنفخ في الجسد، بل هي أمر من الله، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. فهي وحي إلهي وسرّ علوي، به ارتقى البشر من مجرد مظهر جسدي إلى مقام الإنسان المكلف بالأمانة.
ومن هنا يمكن أن نلخّص المعنى كله في معادلة جامعة:
البشر (جسد + نفس) + الروح في العقل = الإنسان
تباين الألفاظ في الثقافة
هذا التفريق القرآني انعكس أيضًا في الاستعمال الثقافي واللغوي:
• من الناس من فضّل لفظ الإنسان، ورآه أرفع مقامًا لأنه يشير إلى الكرامة والتكليف والوجدان، وقالوا: الإنسان أعمق وأشمل من البشر.
• ومنهم من فضّل لفظ البشر، لأنه يوحي بالعموم والمساواة ووحدة النوع، ورأوا أن وصف البشر أقرب إلى التعبير عن الكائن في حقيقته المادية التي لا تفرّق بين أحد وآخر.
لكن الحق أن كلا الفريقين يتحدث عن المخلوق ذاته من زاويتين مختلفتين:
• فـالبشر يبرز المظهر الجسدي المشترك.
• والإنسان يبرز الجوهر العاقل المكلف.
ولهذا نجد في حاضرنا ألفاظًا مثل “الصحة النفسية” و”الطبيب النفسي” مرتبطة بالإنسانية، في حين لا نقول عن الحيوان إلا “الطبيب البيطري” لمعالجة جسده.
النفس والروح: سرّ الارتقاء
النفس موجودة في كل حيّ، في الإنسان والحيوان، وهي مهبط الغرائز والدوافع والشهوات. لكن حين نُفخت الروح في البشر، ارتقت النفس من مجرد قوة حيوانية إلى نفس عاقلة مسؤولة، قادرة على التزكية أو التدسية:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
هنا يظهر الفارق: الحيوان له نفس تحيا بها جوارحه، أما الإنسان فله نفس ارتبطت بالروح، فأصبحت شاهدة على أفعاله، محاسبة على اختياره، مؤهلة لحمل الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض.
الحكمة من التفريق
إذن فليس التفريق بين “البشر” و”الإنسان” مجرد تنويع لغوي، بل تذكير دائم بمقامنا.
• حين يصفنا الله بـ “البشر” يذكّرنا بأصلنا الطيني المشترك.
• وحين يخاطبنا بـ “الإنسان” ينبهنا إلى رسالتنا ومسؤوليتنا.
فالإنسان ليس بشرًا عاديًا، بل بشر ارتقى بنفخة الروح، وحُمّل أمانة الاختيار بين الهدى والضلال، ليكون جديرًا بالثواب أو العقاب.
خاتمة: بين الطين والروح
نخلص إذن إلى أن البشر والإنسان ليسا مترادفين:
• البشر: جسد من طين ونفس حيّة.
• الإنسان: بشر نفخ الله فيه من روحه، فأصبح كائنًا عاقلًا مكلَّفًا.
ولذلك لم يخاطب الله البشر في كتابه، بل خاطب الإنسان، لأنه الكيان الذي يحمل الأمانة ويُسأل عن الاختيار.
حتى الروح التي أُرسلت لمريم عليها السلام تمثّلت في صورة “بشر”، لأن وصف “إنسان” مخصوص بمن حُمّل الأمانة والاختيار.
وهكذا يتبين أن سرّ مقامنا يكمن في هذه النقلة من ظاهر البشرية إلى جوهر الإنسانية، حيث نرتقي من الطين وحده إلى الطين والروح معًا، ونحقق بذلك معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].

