بندر السليس – نائب رئيس التحرير في صحيفة الوئام
في كل يوم نشهد قصة جديدة تتصدر المشهد في منصات التواصل الاجتماعي؛ مقطع قصير أو مشادة عابرة أو تعليق خارج السياق، يتحول فجأة إلى “ترند” يملأ الشاشات ويشغل النقاشات. المدهش أن كثيرًا من هذه القضايا لا تستحق حتى الالتفات، ومع ذلك تجد من يتلقفها ويعيد تدويرها حتى تصبح “قضية رأي عام”.
هوس “الترند” لم يعد مجرد حالة فردية، بل أصبح سلوكًا متكررًا عند البعض ممن يرون في الإثارة الطريق الأسرع إلى الشهرة. لم يعد المهم أن يكون ما يقدمونه صادقًا أو ذا قيمة، بل يكفي أن يجلب المشاهدات والمتابعين، حتى لو كان على حساب القيم أو الوعي أو المصلحة العامة. وهنا تكمن خطورة صناعة “بطولات وهمية” وتضخيم أحداث هامشية.
لا شك أن هذه الممارسات تترك آثارًا سلبية على المجتمع؛ فهي تفتح المجال أمام الشائعات، وتضعف ثقة الجمهور بالمحتوى الرقمي. الأسوأ أن بعض هذه “الموضات الترندية” تتحول إلى مساحة لتغذية الجهل أو تصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء “النقد”.
في المقابل، يبرز الدور الحيوي للجهات الرقابية والإعلامية في مواجهة هذا العبث. فقد أثبتت وزارة الإعلام وهيئة الإعلام المرئي والمسموع وغيرها من الجهات ذات العلاقة حضورًا مهمًا، من خلال المتابعة الدقيقة للمحتوى وإصدار العقوبات الدورية بحق المخالفين. وهذا مايوضحه وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري بقوله: «نحن نضبط المشهد ولا نتحكم فيه».
ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الجهات الرقابية وحدها، بل على المجتمع أيضًا. فالمتابع هو الذي يقرر: هل يصنع من حدث تافه “قضية كبرى”، أم يتجاهل هذه الضوضاء الرقمية ويتركها تضمحل في زوايا النسيان؟ التجربة أثبتت أن غالبية “المثيرين للجدل” لم يجدوا طريقهم إلى الشهرة إلا بفضل تفاعل الجمهور معهم، سلبًا أو إيجابًا.
المطلوب إذن وعي جماعي، يقوم على دعم المحتوى الهادف والإيجابي، وتجاهل كل ما يهدف فقط إلى الاستفزاز أو البحث عن المشاهدات. فالشهرة ليست مشكلة في ذاتها، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تُبنى على حساب القيم والوعي.
إننا أمام تحدٍ رقمي للوعي، يتمثل في محتوى يلهث خلف “الترند” من جهة، ومجتمع يمكنه رفع منسوب الحوار أو خفضه من جهة أخرى. وبين هذين، تبقى مسؤولية الجهات الرقابية قائمة لضبط المشهد، ومسؤوليتنا ألا نمنح “اللاحدث” قيمة تفوق حجمه.

