الدكتور عيسى محمد العميري
كاتب كويتي
مما لا شك فيه أن زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة مؤخرًا، ليست كأي زيارة يقوم بها مسؤول أو رئيس دولة، بل هي زيارة تاريخية أو بدون مبالغة هي زيارة القرن بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
لقد كان استقبال ولي العهد غير مسبوق، وكان على مستوى الحدث. فهي أكبر زيارة وأكبر من علاقات سياسية عادية.
في بداية وضمن هذا السياق، نقول إن الزيارة حققت مكاسب غير محدودة على المدى البعيد للمملكة بالدرجة الأولى، وهي على العكس تمامًا مما روج له البعض من أن المستفيد الحقيقي من الزيارة هي الولايات المتحدة.
وبعيدًا عن الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة الأمريكية، ووفق بعض التحليلات الإخبارية التي لا تتمتع بالمصداقية الكاملة، التي تقول إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تخرج يومًا ما خاسرة في أي علاقة مع أي بلد في العالم، بل كانت دائمًا رابحة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، إلا فيما عدا زيارة ولي العهد للمملكة التي كانت تاريخية بامتياز.
ولهذا يستحق بناءً عليه إطلاقنا لعنوان المقال أعلاه (زيارة القرن)، والذي يعبر عن الواقع الحقيقي المستند للأرقام والاتفاقيات والتصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي والمسؤولون الكبار في الدولة، وتصريحات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد في المملكة العربية السعودية.
كما أن تلك الزيارة تؤسس لمرحلة مستقبلية قادمة لا تقل أهمية عن عقود طويلة، يتم خلالها جني المكتسبات للمملكة بدرجة تفوق مكتسبات الولايات المتحدة الأمريكية ضمن كامل الاتفاقيات والمعاهدات بين البلدين.
يمكننا في هذا الصدد أن نشير في بداية تلك المكتسبات إلى تقليص كل المخاطر المحتملة، وذلك بعد تصريح الرئيس الأمريكي باعتبار المملكة حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو، مما يعني أبعادًا أمنية استراتيجية مهمة.
وعلى سبيل المثال، فإن موافقة الولايات المتحدة على تزويد المملكة بـ 48 طائرة F-35 هي خطوة بالغة الإيجابية وغير متوقعة في بعض جوانبها، نظرًا لقوة هذه التكنولوجيا المتقدمة والتي لا تخفى على أحد اليوم.
وهذا يعطي دفعة مهمة لتحديث كفاءة الجانب العسكري في المملكة، وبذلك يصبح سلاح الجو السعودي من أقوى أسلحة الجو في العالم.
وجنبًا إلى جنب في السياق ذاته، نورد أيضًا الجانب النووي الذي من المفترض أن يتم تزويد المملكة به.
وفي هذا الصدد أيضًا، فإن تصريح ولي العهد على الثوابت ما زال ثابتًا فيما يخص القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل (من ناحية السلام وليس العلاقات، كما هو الفهم الخاطئ لدى البعض)، حيث كان الشرط الأساسي المفترض هو وجود مسار واضح لوجود دولة فلسطينية حقيقية.
وهو ما أكده قرار مجلس الأمن الذي أيد ما قام به ولي العهد في هذه القضية. الأمر الذي يؤكد بعد النظر لدى ولي العهد تجاه القضية الفلسطينية، حيث ركز من خلالها على تطبيع السلام وليس العلاقات.
وهو الأمر الذي تطمح إليه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، السلام ثم السلام، بعيدًا عن أي مزايدات.
وبناءً على ما تقدم، نقول إن الزيارة ناجحة تمامًا وبكل المقاييس وعلى جميع المستويات. الأمر الذي يجعلها زيارة القرن فعلًا.
والله ولي التوفيق.

