د. سعود النداح
مستشار اجتماعي
كتب الاستاذ محمد المقحم في منصة X عبارة تستوقف القارئ:
بالغموض يحترم الناس بعضهم البعض ولا يتسرب الاحترام الا من الثقوب التي يتسلل معها الفضول.
هذه الجملة تضيء منطقة مهملة في فهم العلاقات الإنسانية، منطقة تؤكد أن الاحترام لا يولد من كثرة الظهور، وأن الهيبة لا تنبع من الشرح المتكرر، وأن القيمة الحقيقية تنمو حين يحتفظ الانسان بجانب من نفسه لا يصل إليه احد.
الغموض في جوهره مساحة صامتة تحفظ المقام.
فحين يعرف الناس كل شيء عن الشخص يهبط مستوى الدهشة، ويخفت بريق التأمل، ويتلاشى الاحساس الذي يجعل الآخر يعيد قراءة الموقف اكثر من مرة.
وعندما تفيض التفاصيل يفقد الانسان عمقه، لأن انكشافه المستمر يحول حضوره من معنى الى اعتياد.
وفي السياق ذاته جاءت الاشارة القرآنية البالغة الدلالة في قوله تعالى:
“وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ”
إشارة تذكر بأن ما له قيمة حقيقية لا يظهر دفعة واحدة، ولا يكشف بكامله، وأن الخزائن تحفظ الداخل قبل أن تمنح منه شيئاً، وأن الاحتجاب جزء من طبيعة الاشياء الثمينة.
فهناك معانٍ لا ترتفع قيمتها إلا حين تُصان، ولا يبقى احترامها إلا حين تحفظ مسافتها.
المسافة تمنح الانسان قدرة على إدارة صورته دون أن يفقد صدقه، وتمنحه قوة داخلية لا توفرها العلاقات المكشوفة حتى آخر طبقاتها.
ومع كل خطوة يبتعد فيها بمقدار محسوب، تنشأ لدى الآخرين رغبة في الاقتراب العقلي لا الجسدي، رغبة في الفهم لا التطفل، وهنا يتسرب احترامهم دون أن يطلبه.
في زمن يتسابق نحو الافصاح الكامل يصبح الصمت قوة، ويصبح الإقتصاد في الظهور موقفاً، ويصبح الاحتفاظ بالطبقة العميقة علامة نضج لا علامة خوف.
فالذي يعرف كيف يدير حضوره يعرف ايضاً كيف يدير هيبته، والذي يترك فراغاً صغيراً حول نفسه يترك للناس مجالاً لملئه بإحترام مضاعف، لان الغرف المغلقة في نفوس الكبار ترفع قيمتهم، وتمنحهم هالة لا يمكن صناعتها بالمبالغة او الشرح.
لذا يبقى الغموض الواعي فناً من فنون الاتزان، يحفظ الإنسان من إستهلاك صورته، ويمنح حضوره عمقاً لا تقدر عليه السرديات الطويلة.
فالذي يختار أن يظهر بقدر، يختار ايضاً أن يعيش بقدر، ويترك للآخرين مساحة كافية ليقدّروا، وضيقة جدا ليقتربوا.

