عائشه الفضلي
كاتبة وناقدة في مجال الفن السعودي
في علم الجمال لا يقتصر الفن على ما يُرى، إنما يمتد إلى ما لا يُدرك مباشرة؛ فاللامرئي ليس غياباً، فهو العمق الذي يمنح الشكل معناه، والقوة التي تُحرّك المرئي وتمنحه حضوره.
فمنذ القدم ارتبط الفن بمحاولة الإنسان تجاوز الظاهر والاقتراب مما هو أوسع من الإدراك الحسي، فأصبح التعبير الفني سعياً نحو معنى يتشكل بين الرمز والإحساس، ويظل مفتوحاً للتأويل.
ومن هذا المنظور، تتضح ملامح المشهد الفني الذي نعيشه اليوم. في ظل الحراك التشكيلي المتسارع بالمملكة العربية السعودية، ومع التحول الثقافي منذ إطلاق رؤية قائدنا وملهمنا صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، لم يعد الفن ترفاً أو حضوراً عابراً، بل يعد جزءاً من جودة الحياة وركيزة رئيسة من مشهد بصري يتشكل في ديمومة ويستحق التوقف عنده.
هذا الثراء في الأعمال الفنية وتنوع التجارب لا يقابله دائماً فهم موازٍ له؛ فالكثير من الأعمال تمر سريعاً، تُرى وتُلتقط وتُنسى، بينما تبقى طبقاتها الأعمق بعيدة عن القراءة.
فلا يُختصر العمل الفني في شكله؛ ففي كل عمل اختيارات مقصودة في تراتيب اللون، وفي التكوين، والمساحة، وحتى في الصمت داخل اللوحة والفراغ. هذه التفاصيل لا تظهر دفعة واحدة، لكنها تتكشف لمن يقترب منها بهدوء، وتستدعي تفاعلاً وجدانياً وذهنياً.
من هنا تأتي أهمية التأمل في العمل بوصفه تجربة يمكن قراءتها، لا الحكم عليها. قراءة لا تبحث عن العيوب بل تحاول فهم ما يقدمه العمل وما يفتحه من معانٍ، وما يحمله من حضور بصري يرتبط بسياقه وبالمرحلة التي ينتمي لها.
هذا الاقتراب هو ما يوسّع علاقتنا بالفن ويجعل المشاهدة أعمق وأكثر متعة، ويمنحنا قدرة على رؤية ما يتجاوز الانطباع الأول.
وفي هذا الامتداد، لا ينفصل الفن عن جذوره. ما نراه اليوم يحمل أثر التراث، والذاكرة البصرية، والتفاصيل التي تشكلت عبر الزمن وتعود بصيغ مختلفة داخل الأعمال المعاصرة.
وبين العمل والمتلقي، تتشكل مساحة للفهم.. مساحة نرى فيها العمل بشكل أوضح، ونفهمه بطريقة أقرب.
كل ما نحتاجه، هو أن نتوقف قليلاً.. وننظر من داخل الإطار.

