أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، 81 عامًا، الأحد، انسحابه من السباق الانتخابي أمام منافسه الشرس الجمهوري دونالد ترامب، بينما قدم نائبته كامالا هاريس كمرشحة بديلة، قال إنه سيدعمها بكل قوة، مطالبًا الديمقراطيون بالالتفاف حولها لإطاحة ترامب من السباق إلى البيت الأبيض.
وبينما يبدو أن “هاريس” هي الأقرب لخلافة بايدن في هذا السباق نحو البيت الأبيض، فإن المؤكد أن حزبها يخوض بهذا الاختيار مقامرة تاريخية يراهن فيها على أن امرأة سوداء ضد تاريخ من العنصرية والتمييز الجنسي، فضلًا عن عثرات سياسية ستُنسب لنائبة الرئيس الذي تلقى انتقادات واسعة لسياساته الاقتصادية والخارجية، وفق تقرير حديث لوكالة “رويترز“.
البيت الأبيض لا يعرف النساء
خلال أكثر من قرنين من ديمقراطية تعلنها الولايات المتحدة شعارًا، انتخب الأمريكيون رئيسًا أسود واحدًا فقط (باراك أوباما) بينما لم ينتخبوا امرأة أبدًا، وهو رقم قياسي يجعل حتى بعض الناخبين السود يتساءلون عما إذا كان بإمكان هاريس اختراق أصعب سقف في السياسة الأمريكية، كما تقول الوكالة الأمريكية.
“هل سيكون عرقها وجنسها مشكلة؟ بالتأكيد”؛ تقول لاتوشا براون، الخبيرة الاستراتيجية السياسي والمؤسسة المشاركة لصندوق “بلاك لايفز ماتر”، فيما تشير إلى أن هاريس ستواجه تحديات كبيرة أخرى: إذا تمت ترقيتها إلى مرشحة رئاسية، إذ لن يكون أمامها سوى ثلاثة أشهر لحملتها وتوحيد الحزب والمانحين خلفها.

وقد انتخبت الولايات المتحدة باراك أوباما، الرئيس الأسود الأول والوحيد، في عام 2008، بينما فشلت هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي في الفوز أمام ترامب في عام 2016.
تقول نادية براون، مديرة برنامج دراسات المرأة والنوع الاجتماعي في جامعة جورج تاون، إنه على الرغم من صعود القادة السياسيين السود، لا يزال هناك تردد ملحوظ في قبول النساء في الأدوار القيادية الرئيسية. وتضيف: “النظام الأبوي أصيل في الولايات المتحدة.. سيكون هناك تحفظًا بلا شك على وجود امرأة سوداء في منصب الرئيس”.
استطلاعات الرأي بين هاريس وترامب
هاريس التي تبلغ 59 عامًا أصغر من ترامب بعقدين من الزمن، وهي زعيمة حزبها فيما يتعلق بحقوق الإجهاض -قضية يتردد صداها لدى الناخبين الأصغر سنًا والقاعدة التقدمية للديمقراطيين- وهذا ما يجادل المؤيدون بشأنه، فيقولون إنها ستُنشّط هؤلاء الناخبين، وتعزز دعم السود، وتجلب مهارات مناظرة حادة أمام ترامب.
تضيف “براون” أن ترشيح “هاريس” أمام ترامب ونائبه في منصب نائب الرئيس السناتور جيه دي فانس، الرجلين الأبيضين الجمهوريين، يعكس بشكل صريح “ماضي أمريكا العنصري وحاضرها ومستقبلها”، وهو ما يظهر أيضًا في قلق بعض الديمقراطيين من فكرة ترشحها وفرصها للفوز في ظل تاريخ طويل من التمييز العنصري والجنساني في الولايات المتحدة.
لا يوجد خيار آمن
تعادلت هاريس وترامب بنسبة 44% لكل منهما في استطلاع أجرته رويترز / إبسوس في الفترة من 15 إلى 16 يوليو الجاري، أجري مباشرة بعد محاولة اغتيال ترامب. ذلك في حين تقدم ترامب على بايدن بنسبة 43% مقابل 41% في الاستطلاع نفسه.
ووفقًا لمؤسسة استطلاعات الرأي Five Thirty Eight، فإن 38.6% من الأمريكيين يوافقون على هاريس، بينما يعارضها 50.4%، وهي أيضًا نسبة أعلى من بايدن الذي حصل على موافقة 38.5% ورفض 56.2%.
“إذا كنت تعتقد أن هناك إجماعًا بين الأشخاص الذين لا يريدون جو بايدن على كامالا هاريس فستكون مخطئًا”، كما تقول النائبة ألكسندرا أوكاسيو كورتيز، وهي من مؤيدي بايدن، والتي ترى أن كل خيارات الديمقراطيين الآن غير آمنة.

ميزة لها وعليها
ومع ذلك، فإن أنصار “هاريس”، وهي أول امرأة سوداء جنوبي آسيوية تشغل منصب نائب الرئيس، يقولون إنها نجت بالفعل من هجمات غير عادلة تتعلق بعرقها وجنسها، وإنها الآن مستعدة للمزيد. يقول جمال سيمونز، مساعد هاريس السابق: “أمريكا لديها تاريخ من العنصرية والتمييز على أساس الجنس، لذلك أنا متأكد من أن ذلك سيؤثر على حملة هاريس. ولكن يمكن تحفيز الناخبين السود لصالحها، كما أن النساء ستدعمها، بما في ذلك بعض الذين ندموا على عدم التصويت لكلينتون في عام 2016.. ستستفيد من عرقها وجنسها، والعديد من الأمريكيين الأفارقة قد يتجمعون لترشيحها”.
ووفق “سيمونز”، فإن هاريس تتمتع بشهرة أكبر من القادة الديمقراطيين الآخرين الذين تم طرحهم كمرشحين محتملين للرئاسة، وبينهم حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم وحاكمة ميشيغان جريتشن ويتمير. إلا أنها رغم ذلك ستبقى مُطاردة بدورها في إدارة بايدن، حيث لم تظهر تقدمًا يذكر في حقائبها الخاصة بحماية حقوق التصويت ووقف الهجرة من أمريكا الوسطى.

عنصرية ترامب ضد كامالا هاريس
يتهم النقاد ترامب باستخدام لغة عنصرية وجنسية، بشكل صريح وغير صريح. ففي عام 2020، قال إنه “سمع” هاريس، وهي مواطنة أمريكية ولدت في كاليفورنيا، غير مؤهلة لتكون مرشحة لمنصب نائب الرئيس. وفي تجمع حاشد في ميشيغان يوم السبت، هاجم ترامب هاريس بسبب الطريقة التي تضحك بها. وقال ترامب: “أسميها كامالا الضاحكة.. هل سبق لك أن شاهدتها تضحك؟ إنها مجنونة”.
كذلك، قدم ترامب ادعاءات كاذبة ضد مكان ولادة أوباما، واكتسبت هذه الأكاذيب زخمًا بين نشطاء اليمين المتطرف وقاعدته القومية، مما دفع أوباما إلى نشر نسخة من شهادة ميلاده.
الآن، تحسنت مكانة هاريس في الحزب الديمقراطي بدفاعها العدواني عن الحقوق الإنجابية، بعد أن ألغت المحكمة العليا في عام 2022 قضية “رو ضد ويد”، التي تحمي حق المرأة في الإجهاض. وقد نسب إليها بايدن الفضل في المساعدة في منع “موجة حمراء” من انتصارات الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في ذلك العام، وعبرت هاريس البلاد كمتحدثة بارزة باسم الحملة حول حقوق الإجهاض.
وقد ترث هاريس أيضًا دعم بايدن القوي بين الناخبين السود، الذين ساعدوا في دفعه إلى الترشح عن الحزب الديمقراطي في عام 2020. ولكن إذا انتهى الأمر بالحزب إلى الالتفاف حولها، فقد تتلقى بعض اللوم من الناخبين الذين يقولون إن القادة الديمقراطيين غطوا على ضعف بايدن، كما تقول “رويترز”.

