فيصل الحمد خبير استراتيجي وعسكري
في الأسبوع الأول من ديسمبر، شهدت المنطقة حدثًا غير متوقع بسيطرة الفصائل المسلحة التابعة لعمليات ردع العدوان على العاصمة السورية دمشق، لتُسدل الستارة على حكم عائلة الأسد التي كانت لسنوات طويلة مصدر قلق. لم يكن أشد المتفائلين يتوقع سرعة هذا التحول، خاصة مع الفوارق الكبيرة في القدرات العسكرية بين قوات النظام والفصائل المسلحة. ومع ذلك، حدث ما لم يكن في الحسبان، ووجدت سوريا نفسها أمام واقع جديد مليء بالتحديات والفرص، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.
إن التحديات التي تواجه سوريا اليوم ليست سهلة، وأبرزها حالة الفراغ السياسي والأمني التي خلّفها انهيار السلطة. مع تلاشي سيطرة الدولة، أصبحت الأراضي السورية مرتعًا للجماعات المسلحة التي تنوعت توجهاتها وأهدافها، منها الوطنية التي تسعى للحفاظ على الدولة وفق أجنداتها الخاصة، ومنها بقايا التنظيمات التابعة للنظام السابق التي تتحين الفرصة للعودة إلى المشهد. كما أن بعض الجماعات المسلحة ترتبط بدول إقليمية تسعى لتحقيق مصالحها في الساحة السورية، فيما تتحرك أطراف أخرى سعيًا لتحقيق أهداف فردية أو مناطقية لا علاقة لها بمصلحة البلاد. هذا الواقع المعقد قد يؤدي إلى ظهور جماعات جديدة تسعى لحماية مناطقها ومصالحها في ظل غياب قيادة موحدة يمكنها إعادة فرض النظام. وما زالت سوريا حتى اليوم ساحة مفتوحة لتنافس الفصائل المسلحة التي لم تتمكن من التوحد تحت راية واحدة.
ورغم هذا الواقع الصعب، فإن هذا التحول أوجد فرصًا جديدة قد تساهم في تغيير معادلات كثيرة على المستويين السياسي والاقتصادي. فعلى المستوى السياسي، أدى انهيار نظام الأسد إلى إعادة رسم خارطة العلاقات والتحالفات بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تسعى كل قوة إلى تعزيز نفوذها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. أما على المستوى الاقتصادي، فقد فتحت مرحلة ما بعد النظام الباب أمام فرص كبيرة للاستثمار وإعادة الإعمار. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، إلا أن إعادة بناء سوريا ستكون مشروعًا ضخماً تتنافس عليه الدول والشركات العالمية.
في خضم هذه التحولات، برزت فرصة استراتيجية استغلتها إسرائيل لتسجل أكبر استفادة ممكنة من سقوط النظام. غياب القيادة السياسية وانهيار الجيش السوري منح إسرائيل فرصة لتحييد سوريا كقوة عسكرية كانت تشكل تهديدًا لأمنها لعقود. قامت إسرائيل خلال هذه الفترة بتدمير البنية العسكرية السورية بشكل ممنهج، سواء الجوية أو البحرية أو البرية، مستغلة حالة الفوضى والانقسام لتأمين جبهتها الشمالية، وبحجة أن السلاح المنفلت قد يضر بالأمن الإسرائيلي، وهو ما اعتبرته فرصة لا تُعوّض لتأمين أمنها الوطني.
لكن رغم كل ما يحدث اليوم من فوضى وتعقيد، فإن المرحلة الجديدة التي تعيشها سوريا، مهما كانت صعبة، تظل أقل قسوة من الحقبة التي عاشها السوريون تحت حكم عائلة الأسد. لعقود طويلة، حُكم المجتمع السوري بالحديد والنار، وبدل أن تُسخر السلطة إمكاناتها لتنمية المجتمع وتطويره، قامت بعسكرته وتفكيك نسيجه الاجتماعي والسياسي، ليجد الشعب السوري نفسه رهينة لدولة بوليسية تقمعه وتستنزف مقدراته. واليوم، رغم الألم والمعاناة، هناك أمل في بناء مستقبل مختلف تُحترم فيه إرادة السوريين، ويكون فيه القرار بيد شعب حر يسعى لإعادة إعمار بلاده بعيدًا عن الاستبداد الذي عانى منه لعقود.
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق حاسم، فإما التوجه نحو إعادة بناء الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية، أو الغرق في مزيد من الصراع والانقسام. ولكن يبقى الأمل قائمًا بأن يكون المستقبل أفضل من الماضي القاسي الذي فرضته سنوات حكم الطغيان والاستبداد.

