تتشابك الأخبار وتتداخل، وتظل النتيجة تثير سؤالاً ملحّاً: كيف اتفقت حركات مسيحية، وعلى رأسها المسيحيون الجدد في الغرب، مع حركة الصهيونية اليهودية، رغم أن المسيحيين يتهمون اليهود بقتل عيسى بن مريم أو الوشاية به كما في كتبهم المحرّفة؟ وكيف أقنع اليهود الفاتيكان والعالم المسيحي بإبراء ذمتهم من هذه التهمة التي لازمتهم قروناً؟
الحقيقة أن معظم المراجع التي تناولت الصهيونية كتبها باحثون غربيون تحت إشراف مباشر أو غير مباشر من يهود، فجاءت مشوشة ملتبسة. لكن تتبع الأحداث في تسلسلها التاريخي يكشف لنا صورة أوضح: كيف بدأت الصهيونية، ولماذا سُمّيت بهذا الاسم، وكيف استطاعت التحايل على المسيحيين، وما دور الدولة العثمانية في مقاومتها ثم سقوطها، وكيف تحولت الصهيونية من حركة محلية إلى مشروع عالمي.
أوهام مسيحية لخدمة المشروع اليهودي
أدرك الحاخامات اليهود منذ أوائل القرن التاسع عشر أن العقبة الأكبر أمام قبول اليهود في المجتمع الغربي المسيحي هي اتهامهم بقتل المسيح. لذلك سعوا إلى تبرئة أنفسهم عبر تغيير نظرة المسيحيين.
بدأوا بتأسيس جماعات سرّية في أوروبا الشرقية والوسطى، حيث كان اليهود مضطهدين، ورفعوا شعاراً خطيراً: أن مسيح اليهود المنتظر هو ذاته مسيح المسيحيين. أي أن المخلّص الذي ينتظره اليهود هو نفسه الذي ينتظره المسيحيون للعودة في آخر الزمان.
بهذا الربط الخبيث استطاع اليهود أن يستدرجوا فئات من المسيحيين، وأوهموهم أن قيام دولة إسرائيل سيحقق النبوءة، وأن عودة المسيح لن تتم إلا إذا اجتمع اليهود في فلسطين. وهذا كان الأساس الفكري الذي جعل المسيحيين الجدد، خاصة في الولايات المتحدة، أكبر داعمين لإسرائيل فيما بعد.
جمعيات “أحباء صهيون” (1881م)
قبل أن يظهر مصطلح “الصهيونية” رسمياً، نشأت جمعيات عرفت باسم “أحباء صهيون” في روسيا ورومانيا عام 1881م، بعد المذابح ضد اليهود هناك. سعت هذه الجمعيات إلى تشجيع الهجرة العملية إلى فلسطين وشراء الأراضي الزراعية. فأسست أولى المستوطنات مثل “ريشون لتسيون” قرب يافا عام 1882م.
هذه الحركة زرعت البذور الأولى للفكرة: العودة إلى “صهيون” باعتبارها رمز الخلاص. ومن هنا جاء اسم “الصهيونية”، نسبة إلى جبل صهيون في القدس المذكور في العهد القديم (سفر إشعياء).
ثيودور هرتزل (1860–1904م)
ولد ثيودور هرتزل في بودابست عام 1860م، ودرس القانون ثم عمل صحفياً في باريس. هناك شهد محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي ألفريد دريفوس عام 1894م، الذي اتهم ظلماً بالخيانة. فهاله حجم العداء لليهود، وأدرك أن اندماجهم في أوروبا أمر مستحيل.
في عام 1896م نشر كتابه “دولة اليهود”، حيث دعا إلى إقامة وطن قومي لليهود. وبعد عام، في أغسطس 1897م، عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا، وأعلن أن اليهود يجب أن يؤسسوا دولتهم في فلسطين.
قال هرتزل يومها عبارته الشهيرة: “في بازل أسست الدولة اليهودية، وبعد خمسين عاماً سيعترف بها العالم.” وبعد واحد وخمسين عاماً بالضبط، في 1948م، أعلن بن غوريون قيام إسرائيل.
المؤتمرات الصهيونية (1897–1900م)
- المؤتمر الأول: بازل، أغسطس 1897م، أقر اسم “الصهيونية” الذي وضعه ناتان بيرنباوم عام 1890م، وحوّل الفكرة إلى تنظيم عالمي.
- المؤتمر الثاني: بازل، أغسطس 1898م، ركّز على تعميق الهوية القومية اليهودية رغم معارضة اليهود الغربيين.
- المؤتمر الثالث: بازل، أغسطس 1899م، شهد اتصال هرتزل بالقيصر الألماني فيلهلم الثاني، عارضاً عليه دعم المشروع مقابل خدمات يهودية.
- المؤتمر الرابع: لندن، أغسطس 1900م، نُقل المقر إلى بريطانيا التي أصبحت مركز الحركة، نظراً لتعاظم مصالحها في الشرق.
العقبة العثمانية
كانت فلسطين تحت سلطة الدولة العثمانية، والخليفة العثماني يرفض السماح بهجرة اليهود إليها. لذلك وضعت الحركة الصهيونية أهدافاً محددة:
- الحصول على إذن عثماني للهجرة.
- تهريب مجموعات صغيرة إلى فلسطين.
- تغيير نظام الحكم العثماني ليتماشى مع الغرب.
- إيجاد بديل سياسي للخليفة.
ولم يكن طرح “وطن بديل” في أوغندا أو الأرجنتين سوى خدعة لتخفيف الضغط، بينما ظل الهدف الحقيقي هو فلسطين وحدها.
وعد بلفور (1917م)
مع الحرب العالمية الأولى، وجدت الصهيونية فرصتها الذهبية. فقد نجح حاييم وايزمان، الكيميائي اليهودي، في التقرب من السياسيين البريطانيين بفضل خدماته العلمية للحرب.
في 2 نوفمبر 1917م أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور وعده الشهير، معبراً عن “تعاطف حكومة صاحب الجلالة مع إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.
هذا الوعد كان نقطة تحول مفصلية؛ فقد حوّل المشروع الصهيوني من فكرة متداولة في مؤتمرات إلى سياسة رسمية لإمبراطورية عظمى.
سقوط الخلافة وإعلان تركيا الجمهورية
في 17 نوفمبر 1922م غادر السلطان محمد السادس الأستانة، منهياً الحكم العثماني. وفي 29 أكتوبر 1923م أُعلنت الجمهورية التركية برئاسة مصطفى كمال أتاتورك (1923–1938م).
كان سقوط الخلافة أكبر إنجاز استراتيجي للصهيونية، لأنه أزال الحاجز السياسي والديني الذي حال دون تحقيق مشروعها.
قيام إسرائيل وحروب المنطقة
النكبة 1948م
في 14 مايو 1948م أعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل، بدعم مباشر من بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. اندلعت حرب مع الدول العربية انتهت بتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين.
العدوان الثلاثي 1956م
شاركت إسرائيل بريطانيا وفرنسا في ضرب مصر بعد تأميم قناة السويس، وأثبتت أنها ذراع الغرب العسكري في المنطقة.
حرب 1967م
احتلت إسرائيل الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان، وضاعفت مساحة أرضها ثلاث مرات، وأصبحت أمريكا الحليف الأول لها.
حرب 1973م
رغم الانتصارات العربية في بدايتها، قلب الجسر الجوي الأمريكي الموازين لصالح إسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط وجود إسرائيل مباشرة بالأمن القومي الأمريكي.
بعد كامب ديفيد وأوسل
- عام 1978م: وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، فانفرط عقد الجبهة العربية.
- عام 1993م: وُقّعت اتفاقية أوسلو، فتحولت منظمة التحرير الفلسطينية من حركة تحرر إلى سلطة محلية تحت الاحتلال.
بعد الحرب الباردة (1991م وما بعدها
مع سقوط الاتحاد السوفييتي أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة. ارتبطت الصهيونية بها في:
- السياسة: عبر جماعات الضغط مثل إيباك.
- الاقتصاد: عبر السيطرة على البنوك والأسواق الكبرى.
- الإعلام: عبر الصحف والقنوات الكبرى.
- الثقافة: عبر الجامعات ومراكز الأبحاث.
المسيحية الجديدة والصهيونية
أوهمت الصهيونية المسيحيين الجدد أن عودة المسيح مرهونة بقيام إسرائيل الكبرى “من النيل إلى الفرات”. فصار دعم إسرائيل جزءاً من عقيدتهم الدينية، وارتبطت نبوءاتهم بالخلاص بتحقيق الحلم اليهودي.
الخاتمة
تحولت الصهيونية من جماعات سرّية محدودة في أوروبا إلى حركة سياسية، ثم إلى دولة عام 1948م، ثم إلى قوة عالمية تسيطر على القرار الدولي. بدأت بتغيير معتقدات المسيحيين، ثم بتأسيس مؤسسات عالمية، ثم بالتحالف مع بريطانيا، وأخيراً بانتقالها إلى حضن الولايات المتحدة.
اليوم لم تعد الصهيونية مجرد مشروع قومي يهودي، بل شبكة عالمية متغلغلة في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة. إنها القوة التي تُعيد تشكيل العالم وفق أسطورة دينية قديمة، لكنها مدعومة بالمال والسلاح والنفوذ الدولي

