بندر بن عبدالله بن محمد
التعدد بين الفهم الخاطئ والقيود القرآنية
يظن كثير من الناس أن الله سبحانه أباح تعدد الزوجات بلا قيد ولا شرط، وأن للرجل أن يتزوج ما شاء ومتى شاء. لكن التدبر في القرآن يبين أن التعدد لم يكن تشريعاً مطلقاً، بل جاء في سياق محدد، ومع قيود صارمة تجعل الأصل هو الواحدة، والتعدد استثناءً مشروطاً.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
الآية بدأت بالحديث عن اليتامى، وهو ما يكشف أن التعدد كان حلاً اجتماعياً لمشكلات الأرامل واليتيمات في مجتمع ما بعد الحروب. ثم جاء الشرط القاطع: العدل. والعدل ليس في النفقة أو المبيت فقط، بل في الميل القلبي والإنصاف التام، ولهذا أكّد القرآن مرة أخرى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129]. وهذا يعني أن تحقيق العدالة الكاملة متعذراً، وأن الأصل هو الواحدة، والتعدد رخصة استثنائية.
لماذا قال القرآن “مثنى وثلاث ورباع”؟
السؤال البلاغي هنا: لماذا لم يقل القرآن “اثنتين وثلاثة وأربعة”؟
- “اثنين وثلاثة وأربعة”: ألفاظ عددية مباشرة، تدل على الحصر الحسابي المشترك.
- “مثنى وثلاث ورباع”: صيغ معدولة عن الأعداد، تفيد التوزيع والتكرار، أي أن العدد يتكرر مع كل فرد أو حالة.
القرآن إذن لم يرد أن يحصي الأعداد جمعاً (2 + 3 + 4 = 9)، بل أن يحدد أن التعدد لا يتجاوز أربع زوجات، على صور موزعة: هذا يأخذ اثنتين، وهذا ثلاثاً، وهذا أربعاً.
بلاغة الصياغة القرآنية
- الإيجاز: كلمة “مثنى” تغني عن قول “اثنتين اثنتين”.
- منع اللبس: لو استُعملت الأعداد المباشرة لفُهم منها الجمع، أما الصيغة المعدولة فتمنع هذا الاحتمال.
- التنغيم: “مثنى، ثلاث، رباع” إيقاع بياني متدرج ينسجم مع أسلوب القرآن.
مثال الدكتور فاضل السامرائي
قدّم الدكتور فاضل السامرائي مثالاً بليغاً يوضح الفرق:
- لو قلت لعشرة أشخاص: “خذوا أربعة كتب”، فسوف يشتركون جميعاً في أربعة كتب فقط.
- أما إذا قلت: “خذوا رباع”، فكل واحد منهم يأخذ أربعة كتب.
فالعدد في الحالة الأولى مشترك، وفي الثانية يتكرر مع كل فرد. وهكذا جاء القرآن: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي أن الحكم متوزع: هذا يتزوج مثنى، وذاك ثلاثاً، وآخر رباعاً، لا أن يجمع أحدهم كل الأعداد معاً.
شاهد قرآني آخر: أجنحة الملائكة
قال تعالى: ﴿الْحَمدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولي أَجنِحَةٍ مَثنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزيدُ فِي الخَلقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾ [فاطر: 1].
لم يقل “اثنين وثلاثة وأربعة”، لأن المقصود ليس جمع الأجنحة لكل الملائكة، بل بيان التوزيع: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة. وهذا الأسلوب نفسه جاء في تشريع التعدد
الفرق بين “تقسطوا” و “تعدلوا
جاء في صدر الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. والمقصود بـ تُقسطوا من الفعل أقسط، أي: تُقيموا القسط والعدل المادي. كإعطاء الحقوق كاملة، وعدم بخس المهر، وصيانة أموال اليتامى من الأكل بالباطل. ولهذا جاء لفظ المُقسطين في القرآن بمعنى العادلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
بينما جاء في تتمة الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، والعدل هنا أوسع من القسط، فهو يشمل الميل القلبي والمودة والمعاشرة. ولذا نفى الله تمام العدل في هذا الجانب بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129].
وبذلك يتبين أن القرآن فرّق بين:
- العدل المادي (القسط): واجب ممكن التحقيق، وهو مناط الإذن بالتعدد.
- العدل القلبي (الميل): غير مستطاع بطبيعة النفس، لكن نُهي الرجل أن يُظهره ظلماً في المعاملة أو إهمالاً لإحدى زوجاته.
ولهذا، جعل الله الأصل واحدة، والتعدد استثناءً في حدود القسط والعدل المادي.
الترتيل وفهم التعدد
الترتيل في القرآن ليس مجرد تحسين الصوت عند التلاوة، بل هو ـ كما قال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: 32] ـ ترتيب للآيات والمعاني وربط بعضها ببعض ليُفهم المراد بدقة.
فالقرآن نزل مرتبًا بحسب الحكمة الإلهية في الوقائع والأحداث، ثم جُمعت آياته وسوره بأمر الله، فصار الترتيل من جانبنا يعني: أن نقرأ الآيات كما رتّبها الله، وأن نجمع ما جاء في الموضوع الواحد حتى نفهم مقصوده. فالتعدد لا يُفهم إذا قرأنا آية واحدة معزولة، وإنما إذا رتلنا جميع ما ورد في شأن اليتامى والنساء معًا.
فإذا رتلنا آيات سورة النساء ظهر المقصود بوضوح:
- ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2] → حفظ حقوق اليتامى.
- ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] → التحذير من ظلم اليتيمات.
- ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ → إباحة التعدد بشرط القسط.
- ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ → الأصل الواحدة.
بهذا الترتيل يتبين أن تشريع التعدد لم يأتِ لتوسعة مطلقة، بل جاء لحماية الضعفاء (اليتامى وأمهاتهم) من الظلم، مع جعل الزوجة الواحدة هي القاعدة المستقرة.
جوهر المشكلة: الزواج لا العدد
الخلل عند الناس ليس في الأعداد، بل في فهم معنى الزواج. فالقرآن يقدّمه على أنه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
إذا غابت المودة والرحمة، وضاع معنى السكن، صار الزواج عبئاً حتى مع زوجة واحدة. وإذا حضر العدل، وقام الزواج على المودة والإحسان، استقامت الحياة ولو كان التعدد قائماً.
الخلاصة
- التعدد في القرآن رخصة اجتماعية مرتبطة بظروف مخصوصة، وليس حقاً مطلقاً.
- صيغة “مثنى وثلاث ورباع” تدل على التوزيع والتحديد، لا على الجمع والانفتاح.
- الفرق بين “تُقسطوا” و”تعدلوا” يوضح أن المطلوب من الرجل هو العدل المادي الممكن، أما الميل القلبي فغير مقدور عليه.
- الترتيل يكشف أن التعدد جاء في سياق حماية اليتامى والنساء، لا كتوسعة مطلقة.
- المشكلة ليست في العدد، وإنما في تحقيق مقصد الزواج: السكن والمودة والرحمة، والعدل بين الزوجات.
فالزواج في حقيقته مسؤولية وأمانة، وإذا لم يُبنَ على هذا الأساس ضاع معناه، سواء بواحدة أو بأكثر

