فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
عودة الحديث الأميركي عن استعادة قاعدة باغرام الجوية العسكرية، ليس مجرد استدعاء لملف أفغاني قديم، بل هو مؤشر استراتيجي على أن واشنطن بدأت تعيد النظر في تموضعها الجيوعسكري في آسيا الوسطى، بعد الانسحاب المتسرّع من أفغانستان عام 2021 في وضح النهار وبشكل مفاجئ.
صعود النفوذ الصيني والروسي
في مرحلة ما بعد انسحاب واشنطن من أفغانستان، ملأت كل من موسكو وبكين الفراغ. فقد توسعت الصين عبر مبادرة “الحزام والطريق”، فيما عززت روسيا نفوذها الأمني والدبلوماسي، مستفيدة من الانسحاب الأميركي المفاجئ. وعليه، قد تكون عودة الحديث عن باغرام محاولة لإعادة التوازن الجيوسياسي في هذه المنطقة الحساسة.
باغرام في قلب الأوراسية
تقع قاعدة باغرام الأفغانية في قلب آسيا الوسطى، قرب روسيا، الصين، إيران وباكستان. وهي نقطة متقدمة تسمح بمراقبة تحركات هذه القوى، فضلًا عن كونها منصة للعمليات الاستخباراتية والعسكرية في محيط بالغ التعقيد. تاريخيًا، مثّلت باغرام واحدة من أبرز القواعد الأميركية في المنطقة.
تنامي خطر الإرهاب مجددًا
من الأسباب العسكرية التي دفعت الرئيس ترامب للمطالبة بالتحوّط من عودة تهديدات التنظيمات الإرهابية، ضرورة وجود موطئ قدم أميركي قريب، باعتباره خيارًا مطروحًا استراتيجيًا، خاصة لحماية مصالح واشنطن وحلفائها في منطقة متقلبة سياسيًا.
إعادة تدوير الخطاب الانتخابي
سياسيًا، تحاول إدارة الرئيس ترامب استغلال ملف قاعدة باغرام في السجالات الداخلية الأميركية، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات لإدارة بايدن عقب الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.
صراع الممرات واللوجستيات
لا تزال أفغانستان معبرًا بريًا مهمًا ضمن صراع الممرات بين الشرق والغرب؛ بين مشروع “الحزام والطريق” الصيني والممرات المدعومة غربيًا. وهو ما يعيد أهمية استعادة باغرام كنقطة ارتكاز لوجستي وعسكري.
وقد أكد ترامب خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البريطاني ستارمر في لندن أن باغرام لا تبعد سوى ساعة واحدة عن مصانع الصواريخ والأسلحة النووية في الصين، في إشارة إلى موقع التجارب النووية في “لوب نور” بإقليم شينجيانغ قرب الحدود الصينية – الأفغانية.
باغرام.. قاعدة استراتيجية
تقع القاعدة في ولاية بروان الأفغانية، على بُعد خمسين كيلومترًا شمال كابل. شُيدت في خمسينيات القرن الماضي بالتعاون بين الحكومة الأفغانية والاتحاد السوفياتي، قبل أن تتحول خلال الغزو السوفياتي (1979–1989) إلى مركز رئيسي لعمليات الجيش الأحمر.
ومع دخول القوات الأميركية أفغانستان بعد 2001، أعيد توظيفها لتصبح القلب النابض للحرب على الإرهاب.
تمركز آلاف القوات الأميركية
بحلول عام 2007، رسخت باغرام دورها كأكبر قاعدة أميركية في أفغانستان، إذ تمركز فيها آلاف الجنود الأميركيين وقوات “الناتو”. وكانت مركزًا لعمليات الطائرات المقاتلة والمسيّرة، ومستودعًا ضخمًا للذخائر والمعدات، وجسرًا لوجستيًا نحو قواعد أميركا في آسيا الوسطى.
تسليم القاعدة للصين وروسيا
لم تكن هذه المرة الأولى التي يطالب فيها ترامب باستعادة باغرام؛ ففي مارس 2025 كرر طلبه، متهمًا إدارة بايدن بالتخلي عن أفغانستان وتسليم القاعدة إلى الصين وروسيا.
نهاية الوجود الأميركي
في ليلة 2 يوليو 2021، غادرت آخر القوات الأميركية باغرام من دون إبلاغ القادة الأفغان، تاركة القاعدة مظلمة بعد قطع الكهرباء عنها. تسلل اللصوص إليها قبل أن تستعيدها القوات المحلية. بذلك انتهى الوجود الأميركي في باغرام بمشهد فوضوي عكس الهزيمة أكثر مما عكس الانسحاب المنظم.
خسارة النفوذ في آسيا الوسطى
إعادة طرح ملف باغرام اليوم يعكس شعورًا أميركيًا بعدم الرضا الاستراتيجي تجاه خسارة النفوذ في آسيا الوسطى، وسعيًا لموازنة التمدد الروسي – الصيني. وهو دليل أيضًا على أن التنظيمات الإرهابية ما زالت حاضرة في حسابات واشنطن، وربما تعود بصيغ جديدة تختلف عن السابق.

