بندر السليس – نائب رئيس التحرير في صحيفة الوئام
في كل مدينة طموحة، تأتي لحظة مفصلية تغيّر أسلوب إدارتها وتعيد صياغة علاقتها بالناس، وفي الرياض التي تعيش أعظم مراحل تحولها، جاءت تلك اللحظة مع إطلاق برنامج “تحول الرياض البلدي” الذي أعلنه الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف، أمين منطقة الرياض، في خطوة تعكس رؤية عميقة تتجاوز التنظيم إلى بناء نموذج جديد لإدارة المدن.
الرياض اليوم تتجاوز حدود التوسع العمراني، لتتحول إلى مدينة تنبض بالمشاريع الكبرى والأحداث العالمية والاستثمارات الضخمة.
هذا الحراك الحضري المتسارع فرض واقعًا جديدًا يتطلب إدارة من طراز مختلف، ومن هنا جاء برنامج “تحول الرياض البلدي” كإجابة عملية على سؤال مهم: كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم والطموح أن تُدار بكفاءة ومرونة واستدامة؟
البرنامج يرتكز على تحسين كفاءة تشغيل المدينة ورفع جودة الخدمات، عبر تحويل 16 بلدية فرعية إلى خمسة قطاعات بلدية ممكّنة، تعمل وفق نموذج إداري متكامل يعتمد على مبدأ اللامركزية.
وفي وسط هذا التحول، استحدثت الأمانة مفهومًا جديدًا هو مكاتب “مدينتي”، التي تمثل حلقة الوصل المباشرة مع المستفيدين، وتقديم الخدمات بطريقة مرنة وشاملة، وتنفيذ أنشطة المشاركة المجتمعية، بحيث تصبح الأمانة أقرب للناس من أي وقت مضى.
لم يعد المستفيد يتعامل مع جهة بعيدة أو نظام معقّد؛ فكل خدمة أصبحت تجربة متكاملة تفهم احتياجاته وتستجيب لها بسرعة، وتشمل جميع السكان بغض النظر عن الحي الذي يقيمون فيه، مما يمنحهم مرونة أكبر وسرعة في إنجاز معاملاتهم.
ولأن التحول لا يكتمل دون تمكين داخلي، شمل البرنامج أيضًا تطوير الممكنات التنظيمية والتقنية والبشرية، وتحسين بيئة العمل داخل الأمانة لضمان استدامة الأداء وجودة التنفيذ.
التحول البلدي في الرياض هو نقلة فكرية بامتياز؛ فهو لا يركز على الكم بقدر ما يركز على الأثر، فكل حيّ اليوم أصبح يُدار بما يتناسب مع طبيعته، وكل خدمة تُقدّم بناء على بيانات وتحليل دقيق، لا اجتهادات شخصية أو إجراءات متكررة.
هذا البرنامج هو نقطة تحول حقيقية في مسيرة العمل البلدي السعودي، ومن المتوقع أن يلهم بقية الأمانات في مناطق المملكة لتطبيق نهج مشابه، لأن فكر المدن الحديثة يبدأ من فهم الإنسان، وتحسين تجربته اليومية، وتبسيط رحلته مع الخدمة العامة.
ختاماً، ما يحدث في الرياض اليوم ليس تحديثًا إداريًا فحسب، بل إعادة تعريف لمفهوم المدينة الحديثة، مدينة تُدار بذكاء، تفكر بالمستقبل، وتُقاس نجاحاتها بجودة الحياة فيها، ويصبح الإنسان محور كل قراراتها.

