في خطوة قد تعيد رسم ملامح سوق الذكاء الاصطناعي العالمي، تستعد شركة أوبن إيه آي لإطلاق أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخ تطبيق “شات جي بي تي”، ضمن استراتيجية واسعة تهدف إلى تحويله من مجرد مساعد للمحادثة إلى منصة رقمية شاملة تجمع بين البرمجة والإنتاجية والخدمات الذكية، في وقت تتزايد فيه التوقعات باقتراب الشركة من دخول أسواق المال عبر طرح عام أولي.
وتكشف الخطط الجديدة عن توجه واضح نحو بناء منظومة متكاملة من الخدمات داخل التطبيق، بما يسمح للمستخدمين بتنفيذ مهام متنوعة دون الحاجة إلى مغادرة المنصة، في محاولة لتعزيز الإيرادات وتوسيع قاعدة العملاء التجاريين والمؤسساتيين الذين أصبحوا يمثلون محور النمو الرئيسي للشركة.
تحول استراتيجي نحو “التطبيق الشامل”
وبحسب ما نقلته صحيفة فاينانشال تايمز عن عدد من الموظفين الحاليين والسابقين في الشركة، فإن التغييرات المرتقبة تأتي ضمن عملية إعادة تنظيم أوسع، تعيد خلالها أوبن إيه آي توجيه مواردها نحو القطاعات الأكثر ربحية، مع تصاعد المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع شركة أنثروبيك.
وتهدف الخطة إلى تحويل شات جي بي تي إلى مركز متكامل للأدوات والخدمات الرقمية، بحيث يصبح قادرًا على تلبية احتياجات المستخدمين في البرمجة والإبداع وإدارة الأعمال والمهام اليومية من خلال واجهة واحدة.
“كودكس” في قلب المرحلة الجديدة
وتمنح الشركة أولوية خاصة لأداة البرمجة “كودكس”، التي يُنتظر أن تصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو خلال المرحلة المقبلة.
ومن المقرر أن تبدأ أوبن إيه آي بدمج قدرات كودكس تدريجيًا داخل موقع وتطبيقات شات جي بي تي، عبر تحديثات متتالية خلال الأسابيع المقبلة، بما يسمح للمستخدمين بالاستفادة من أدوات برمجية أكثر تطورًا داخل المنصة نفسها.
ويعكس هذا التوجه الرهان المتزايد على المطورين والشركات التقنية باعتبارهم من أكثر الفئات استعدادًا للدفع مقابل الخدمات المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
واجهة جديدة تقود المستخدمين نحو الخدمات المدفوعة
وفي إطار خطتها لتوسيع مصادر الدخل، تعمل الشركة على إعادة تصميم واجهة شات جي بي تي بصورة تشجع المستخدمين على استكشاف الخدمات الجديدة، عبر إضافة اقتراحات ذكية وميزات تفاعلية توجههم نحو أدوات البرمجة وتوليد الصور والخدمات الشريكة.
كما ستعزز المنصة تكاملها مع خدمات خارجية متنوعة، ما يمنح المستخدمين إمكانية تنفيذ مزيد من المهام مباشرة من داخل التطبيق دون الحاجة إلى التنقل بين منصات متعددة.
المؤسسات أصبحت المحرك الرئيسي للإيرادات
وتشير البيانات إلى أن قاعدة العملاء المؤسسيين أصبحت تمثل عنصرًا متزايد الأهمية في نموذج أعمال الشركة.
فبحسب التقرير، تمثل نحو مليون شركة ما يقارب 40% من إيرادات أوبن إيه آي حاليًا، فيما تتوقع الشركة ارتفاع هذه النسبة إلى نحو 50% بحلول نهاية العام، في مؤشر واضح على التحول من الاعتماد على المستخدم الفردي إلى التركيز بصورة أكبر على قطاع الأعمال.
وفي الوقت نفسه، يواصل شات جي بي تي تسجيل أرقام قياسية في النمو، إذ أعلنت الشركة سابقًا أن المنصة تخدم أكثر من 900 مليون مستخدم نشط أسبوعيًا، فيما تجاوز عدد المشتركين الأفراد 50 مليون مشترك.
البورصة تلوح في الأفق
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن استعداد أوبن إيه آي لدخول سوق الأسهم.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى إعداد الشركة ملفات سرية تمهيدًا لعملية اكتتاب عام أولي في الولايات المتحدة، إلا أن الرئيس التنفيذي سام ألتمان أكد أن الشركة لا تزال تركز على بناء أعمالها وتوسيع منتجاتها، وأن قرار الإدراج سيُتخذ عندما ترى الإدارة أن الظروف أصبحت مناسبة.
مرحلة جديدة في سباق الذكاء الاصطناعي
تعكس هذه الخطوات حجم التحول الذي يشهده قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التنافس يدور حول تطوير نماذج أكثر قوة فحسب، بل بات مرتبطًا ببناء منظومات رقمية متكاملة قادرة على الاحتفاظ بالمستخدمين داخل بيئة واحدة وتقديم أكبر عدد ممكن من الخدمات.
ومع اقتراب أوبن إيه آي من هذه المرحلة الجديدة، يبدو أن شات جي بي تي يستعد للانتقال من كونه أداة للمحادثة إلى منصة مركزية قد تعيد تعريف الطريقة التي يتفاعل بها المستخدمون مع الإنترنت والتطبيقات والخدمات الرقمية خلال السنوات المقبلة.

